لم تعد احتجاجات سائقي سيارات الأجرة في الدار البيضاء مجرد وقفات متفرقة ضد ارتفاع أسعار المحروقات، بعدما بدأت كلفة الوقود تعيد إلى الواجهة مجموعة من الملفات المرتبطة بمستقبل القطاع، من تعريفة النقل والدعم، إلى النقل عبر التطبيقات وظروف اشتغال السائقين.
وشهد شارع محمد السادس بالدار البيضاء، الأربعاء 7 أكتوبر، وقفة احتجاجية جديدة شارك فيها عدد من مهنيي سيارات الأجرة، في سياق تحركات متواصلة عرفتها العاصمة الاقتصادية خلال الأيام الماضية. وكان سائقون قد نظموا في الأول من أكتوبر وقفات بمناطق مولاي رشيد والتشارك ودرب السلطان، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف الاستغلال وتدهور أوضاعهم المهنية والاجتماعية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تجاوز فيه سعر لتر الغازوال 16 درهماً، إذ بلغ، وفق المعطيات المتداولة بشأن الأسعار الجديدة، 16.20 درهماً، بينما وصل سعر البنزين إلى 15.96 درهماً. ويمثل ارتفاع كلفة الوقود ضغطاً مباشراً على مهنيي سيارات الأجرة، باعتبار أن المحروقات تشكل أحد المكونات الأساسية لمصاريف الاستغلال اليومية.
لكن مطالب المحتجين تتجاوز سعر الغازوال. فالتعبئة التي عرفتها الدار البيضاء خلال الأسبوع الأول من أكتوبر ارتبطت أيضاً بالمطالبة بمراجعة تعريفة سيارات الأجرة، وتعزيز الدعم الموجه للمهنيين، إلى جانب الاعتراض على النقل عبر تطبيقات الهاتف، فضلاً عن ملفات مهنية وتنظيمية أخرى.
وكانت المنظمة الديمقراطية لمهنيي وسائقي سيارات الأجرة بجهة الدار البيضاء-سطات قد أعلنت، قبل وقفة 7 أكتوبر، عن تنظيم وقفة ومسيرة بالسيارات، مبررة الخطوة بما وصفته بتدهور أوضاع القطاع وتراكم عدد من الإكراهات. وشملت المطالب التي جرى طرحها ارتفاع أسعار المحروقات، وضعف تعريفة الركوب، والنقل السري، إضافة إلى صعوبات مرتبطة بعقود الاستغلال والديون والالتزامات المالية.
وتبرز مسألة التعريفة بشكل خاص في النقاش الجاري، إذ أفادت تغطيات صحفية بأن عدداً من الهيئات المهنية لسيارات الأجرة الكبيرة يدرس إمكانية رفع التسعيرة بدرهم واحد، في ظل ارتفاع كلفة الوقود وتراجع المداخيل. غير أن هذه الخطوة تبقى مرتبطة بموقف الجهات المختصة وبالإطار المنظم لتعريفة سيارات الأجرة.
وفي المقابل، لم تغفل الحكومة تداعيات ارتفاع المحروقات على قطاع النقل. فقد أعلنت وزارة النقل واللوجستيك، في 2 أكتوبر، الرفع من مبلغ الدعم الاستثنائي المباشر المخصص لمهنيي النقل الطرقي للأشخاص والبضائع، ضمن حصة التسجيل التي انطلقت في 24 شتنبر. وأوضحت الوزارة أن مراجعة قيمة الدعم تأتي تنفيذاً لقرار يقضي بأن تواكب قيمة المساعدة تطورات أسعار المحروقات، مع الإعلان عن بدء صرف مبالغ هذه الحصة ابتداء من الأسبوع الموالي.
غير أن استمرار الاحتجاجات بعد الإعلان عن رفع الدعم يكشف، وفق المطالب المعلنة من طرف المهنيين، أن أزمة القطاع لا تختزل في الدعم المخصص للوقود وحده. فالسائقون يطالبون بإعادة النظر في عدد من الجوانب التي تحدد دخلهم وتكاليف اشتغالهم، وفي مقدمتها مستوى التعريفة والعلاقة التعاقدية داخل القطاع.
كما عاد النقل عبر التطبيقات الإلكترونية إلى صدارة المطالب، حيث تطالب هيئات مهنية بمواجهة ما تعتبره نقلاً غير منظم، في وقت أصبحت فيه التطبيقات منافساً جديداً لسيارات الأجرة التقليدية. وتربط التنظيمات المهنية هذا الملف بالحاجة إلى تحديد قواعد واضحة لممارسة نشاط نقل الأشخاص وضمان تكافؤ شروط المنافسة.
وتشمل المطالب كذلك إعادة النظر في العلاقة بين أصحاب المأذونيات والسائقين، إذ دعت التنظيمات المهنية إلى إطار تعاقدي أكثر وضوحاً، إلى جانب الانتقال تدريجياً من نظام قائم على المأذونيات إلى نظام يرتكز على تراخيص مهنية مباشرة لفائدة السائقين، وفق ما نقلته «ميديا24» عن المطالب المعلنة من طرف المهنيين.
وهكذا، يبدو أن ارتفاع أسعار المحروقات أدى إلى تسريع النقاش حول نموذج اشتغال سيارات الأجرة نفسه. فكل زيادة في كلفة الوقود تنعكس على هامش دخل السائق، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالاً أكثر تعقيداً حول كيفية تحقيق التوازن بين تكاليف التشغيل وقدرة الزبون على تحمل أي زيادة محتملة في تعريفة النقل.
وبينما يطالب المهنيون بإجراءات تخفف الضغط عنهم، تجد السلطات نفسها أمام ملف متعدد الأبعاد يجمع بين حماية القدرة الشرائية لمستعملي سيارات الأجرة، وضمان استقرار دخل السائقين، وتنظيم المنافسة في قطاع النقل الحضري، ومراجعة آليات الدعم والتعريفة.
وتشير وتيرة الاحتجاجات التي شهدتها الدار البيضاء منذ بداية أكتوبر إلى أن ملف المحروقات أصبح نقطة تقاطع لمجموعة من المطالب المهنية، بما يجعل معالجة تداعياته مرتبطة ليس فقط بمستوى الدعم، وإنما أيضاً بمستقبل تنظيم قطاع سيارات الأجرة وعلاقته بالتحولات التي يعرفها النقل الحضري في المغرب.



