حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

سيارات للكراء تحت المراقبة.. عندما تصبح حماية المركبة تهديداً لخصوصية الزبون

دخلت التكنولوجيا إلى قطاع كراء السيارات من أوسع أبوابه، ولم تعد وسائل الحماية تقتصر على الأقفال وأجهزة الإنذار أو أنظمة تحديد الموقع، بعدما أصبحت بعض التقنيات الحديثة قادرة على تتبع المركبة وتسجيل محيطها، بل وتصوير ما يجري داخلها. تطور قد يبدو في ظاهره وسيلة إضافية لحماية ممتلكات تساوي مئات الآلاف من الدراهم، لكنه يفتح في المقابل واحداً من أكثر الملفات حساسية: هل يجوز أن تتحول السيارة التي يدفع الزبون مقابل استعمالها إلى فضاء مراقب بالصوت والصورة؟

المسألة هنا لا تتعلق برفض حق أصحاب وكالات كراء السيارات في حماية ممتلكاتهم، فهذا حق لا يحتاج إلى نقاش. القطاع نفسه يعرف مشاكل حقيقية، تبدأ من سرقة المركبات وعدم إعادتها في الوقت المتفق عليه، ولا تنتهي عند الحوادث والتخريب والاستعمال غير المشروع ومحاولات الاحتيال. لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز وسائل الحماية حدود السيارة لتدخل إلى الحياة الخاصة لمن يوجد بداخلها.

فالسيارة المستأجرة ليست صندوقاً يتحرك على أربع عجلات. خلال مدة الكراء تصبح فضاء يستخدمه شخص أو أسرة في السفر والتنقل والعمل، وقد يقضي داخله الزبون ساعات طويلة برفقة زوجته وأطفاله أو زملائه، ويجري مكالماته ويتحدث في شؤونه الشخصية والمهنية معتقداً أنه داخل فضاء يتمتع فيه بقدر طبيعي من الخصوصية. وإذا كانت هناك كاميرا تصور المقصورة أو جهاز يسجل الصوت دون علمه، فإن الأمر لم يعد مجرد إجراء لحماية السيارة، وإنما يتحول إلى قضية تتعلق بحقوق أشخاص ومعطياتهم الشخصية.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط النقاش التقني: هل يعرف المستأجر مسبقاً أن السيارة التي تسلم مفاتيحها تحتوي على وسيلة تصوير داخلية؟ وإذا كان يعرف، فهل تم إخباره بطريقة واضحة أم أن الأمر مدفون وسط بنود عقد طويل؟ ومن يشاهد التسجيلات؟ وأين تحفظ؟ وكم تبقى؟ ومن يستطيع نسخها؟ وماذا يحدث لها بعد إعادة السيارة؟ وهل يستطيع صاحب الوكالة متابعتها مباشرة من هاتفه؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً قانونياً، لأن الأمر قد يتعلق بصور ووجوه وأصوات وأحاديث خاصة لأشخاص لم يوقعوا أصلاً أي عقد مع وكالة الكراء. فقد يستأجر شخص السيارة ثم يصطحب والديه أو زوجته أو أبناءه أو أصدقاءه. هؤلاء جميعاً قد يصبحون، في حال وجود تسجيل داخلي، جزءاً من مادة مصورة دون أن يعلموا بوجودها أو يوافقوا عليها.

والأخطر أن الخلط بين وسائل حماية السيارة أصبح ممكناً مع التطور الكبير الذي عرفته التقنيات المستخدمة في المركبات. هناك فارق جوهري بين جهاز يساعد على تحديد موقع سيارة مسروقة وبين كاميرا تنظر إلى وجه السائق والركاب، كما أن هناك فارقاً بين كاميرا موجهة نحو الطريق لتوثيق حادث وبين أخرى موجهة نحو المقصورة. في الحالة الأولى تكون السيارة هي موضوع الحماية، أما في الثانية فإن الإنسان نفسه يصبح موضوعاً للمراقبة.

ولا ينبغي أن يتحول امتلاك السيارة إلى شيك على بياض يسمح بمعرفة كل ما يحدث داخلها بعد تأجيرها. فصاحب الشقة المفروشة، على سبيل المثال، يظل مالكاً للعقار بعد تأجيره، لكن ملكيته لا تمنحه الحق في وضع كاميرا داخل غرفة النوم بحجة حماية الأثاث. والمبدأ نفسه يطرح نفسه، مع اختلاف الطبيعة القانونية والتقنية، عندما يتعلق الأمر بمقصورة سيارة يستعملها الزبون باعتبارها فضاءً خاصاً طوال مدة الكراء.

القضية تطرح كذلك مسؤولية أكبر على قطاع أصبح جزءاً أساسياً من صورة المغرب السياحية. آلاف الزوار يستأجرون السيارات فور وصولهم إلى المطارات ويتنقلون بها بين المدن والقرى والمناطق السياحية. وأي ممارسة غير واضحة في مجال التصوير أو جمع البيانات يمكن أن تتحول في دقائق إلى قضية تتجاوز وكالة صغيرة في مدينة مغربية، خصوصاً في زمن مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الدولية لتقييم الخدمات.

المطلوب لذلك ليس الدخول في مواجهة بين الزبون والمهني، لأن كليهما يحتاج إلى الحماية. صاحب الوكالة يحتاج إلى قانون وآليات تحمي مركبته من السرقة والاحتيال والتخريب، والمستأجر يحتاج بدوره إلى ضمانة واضحة بأن دفع ثمن السيارة لا يعني التنازل عن حياته الخاصة.

كما أن التطور الذي تعرفه السيارات المتصلة يجعل الملف أكبر من قطاع الكراء نفسه. المركبة الحديثة أصبحت تجمع كماً هائلاً من المعلومات، من الموقع والسرعة ومسار الرحلة إلى بيانات مرتبطة بالهاتف وطريقة القيادة، وقد تضاف إليها الصورة والصوت في بعض الأنظمة. ومع كل معلومة جديدة تجمعها السيارة يظهر سؤال جديد: لمن تنتمي هذه البيانات، ومن يملك حق الوصول إليها؟

إن ترك هذه المنطقة للغموض لن يخدم أحداً. لا المهني الذي قد يجد نفسه أمام نزاع لم يكن يدرك أبعاده، ولا المستهلك الذي قد يكتشف متأخراً أنه كان مراقباً، ولا القطاع الذي يحتاج إلى الثقة بقدر حاجته إلى الاستثمار.

حماية الممتلكات حق، وحماية الحياة الخاصة حق أيضاً. وبين الحقين توجد حدود يجب ألا ترسمها التكنولوجيا وحدها.

فالسيارة يمكن تعويضها، وإصلاحها، والتأمين عليها، وتعقبها إذا سُرقت. أما خصوصية الإنسان، فعندما تسقط في عدسة كاميرا لم يكن يعلم بوجودها، يصبح من الصعب إعادتها إلى الوراء.

ويبقى السؤال الذي يستحق جواباً واضحاً: عندما يدفع المواطن ثمن كراء سيارة، هل يستأجر وسيلة نقل فقط، أم يدخل من دون أن يدري إلى غرفة مراقبة متحركة