جدل تزكيات «الوردة» بالدار البيضاء.. مصطفى عجاب يخرج عن صمته ويرد على رواية مريم جمال الإدريسي
دخل الجدل الذي رافق اختيار وكيلة اللائحة الجهوية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بجهة الدار البيضاء-سطات مرحلة جديدة، بعدما خرج مصطفى عجاب، عضو المكتب السياسي ورئيس لجنة البت في وكيلة اللائحة الجهوية للجهة، بتوضيحات مطولة قدم من خلالها روايته لما جرى داخل اللجنة، ورد على الاتهامات التي أثارتها المحامية والقيادية الاتحادية السابقة مريم جمال الإدريسي بشأن حضور المعيار المالي في عملية المفاضلة بين المرشحات.
القضية لم تعد مجرد خلاف تنظيمي حول نتيجة تزكية انتخابية، بعدما انتقلت إلى الفضاء العام وأثارت نقاشا حول الحدود الفاصلة بين المساهمة في تمويل الحملة الانتخابية وبين اعتماد القدرة المالية معيارا في اختيار المرشحين، خاصة أن جمال الإدريسي كانت قد أثارت تساؤلات بشأن مطالبة المرشحات بتحديد مبالغ مالية خلال مسطرة البت، قبل أن تعلن لاحقا استقالتها من الحزب، فيما تمسك المكتب السياسي بسلامة المسطرة وصادق على نتائج لجان البت.
وفي «بيان حقيقة وتوضيحات» نشره على صفحته بموقع فيسبوك، أكد مصطفى عجاب أن ما جرى ينبغي وضعه، حسب روايته، داخل سياقه التنظيمي والقانوني، موضحا أن النظام الأساسي للحزب يسمح باعتماد مسطرة خاصة لتدبير الاستحقاقات الانتخابية، وأن الكاتب الأول عرض مسطرة لاختيار وكيلات اللوائح الجهوية صادق عليها المكتب السياسي بالإجماع.
وبحسب عجاب، مرت العملية بعدة مراحل، بدأت بفتح باب الترشيحات والتأكد من استيفاء الشروط القانونية، ثم إحالة الملفات على لجان التأهيل والترشيح بالجهات، قبل انتقالها إلى لجان البت، التي تتكون من وكلاء اللوائح المحلية المخول لهم التداول واتخاذ القرار، بينما يتولى عضو من المكتب السياسي رئاسة الأشغال دون حق التصويت، ويضطلع الكاتب الجهوي بمهمة المقرر.
وأوضح رئيس لجنة البت أن المفاضلة بين المرشحات استندت إلى أربعة معايير مرتبة، هي المؤهلات الشخصية والمهنية، والإشعاع التنظيمي والمجتمعي، والمساهمة الأدبية في الحملة الانتخابية، ثم المساهمة المادية في الحملة، مشددا على أن العنصر المالي جاء في المرتبة الأخيرة ولم يكن، وفق روايته، المعيار الوحيد أو الحاسم.
وعن تفاصيل اجتماع لجنة الدار البيضاء-سطات، قال عجاب إنه تم الاستماع إلى المرشحات بشكل منفرد ووفق الترتيب الوارد في اللائحة، ومنحت كل واحدة منهن فرصة تقديم مؤهلاتها ومسارها ومساهمتها المقترحة في الحملة. وأضاف أنه عند الوصول إلى المعيار الرابع كان يطلب من كل مرشحة كتابة قيمة المساهمة المالية التي تقترحها وتوقيع الورقة، مع الاحتفاظ بها بشكل سري إلى حين المداولات.
وهنا تلتقي روايتا الطرفين في واقعة أساسية وتختلفان في تفسيرها. فمريم جمال الإدريسي اعترضت على كتابة مبلغ مالي في ورقة مستقلة، معتبرة أن ربط مسطرة اختيار وكيلة اللائحة بالتزام مالي يثير إشكالا أخلاقيا وسياسيا، بينما يؤكد عجاب أن الأمر لم يكن سعرا للتزكية ولا مقابلا للحصول عليها، وإنما مساهمة مقترحة في تمويل الحملة الانتخابية.
ويقول عجاب إن جمال الإدريسي قدمت أمام اللجنة مسارها المهني والحقوقي والجمعوي والتنظيمي، كما عرضت تصورا للحملة الانتخابية، وتحدثت عن استعدادها لصرف مليون درهم أو أكثر في إطار برنامج للحملة. غير أنها، وفق روايته، رفضت تحويل ذلك إلى التزام مالي مكتوب وموقع، معتبرة أن مبادئها وقناعاتها لا تسمح لها بذلك.
ويرد عجاب على هذا الاعتراض بالتأكيد أن المساهمة المالية في الحملة، في نظره، لا تعني شراء التزكية، وأن الأموال المخصصة للحملات تخضع لضوابط قانونية ومحاسباتية، وأن صرفها يفترض أن يتم في إطار الحسابات المخصصة للانتخابات وتحت الرقابة القانونية.
كما كشف في توضيحاته أن اثنين من وكلاء اللوائح المحلية انسحبا من المداولات بسبب صلة قرابة بمرشحتين، قبل أن يفتح النقاش بين بقية أعضاء اللجنة للوصول إلى اختيار وكيلة اللائحة، مؤكدا أن النتيجة التي انتهت إليها اللجنة عرضت لاحقا على المكتب السياسي الذي أجازها.
لكن الخلاف تجاوز سريعا تفاصيل الاجتماع. فبعد ظهور النتيجة، وجهت جمال الإدريسي اعتراضاتها إلى قيادة الحزب، قبل أن تنتقل القضية إلى الفضاء العام. وفي المقابل، اعتبر عجاب أن أنظمة الاتحاد الاشتراكي توفر مساطر للطعن، تبدأ من المؤسسات الحزبية المختصة ويمكن أن تصل إلى اللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات، وأن اللجوء إلى التشهير بالحزب وأعضائه، حسب توصيفه، لا ينسجم مع قواعد الانضباط التنظيمي.
ودافع عجاب أيضا عن المشروعية الأخلاقية للمساهمة المالية في الحملات، مستحضرا الكلفة التي يتحملها وكلاء اللوائح المحلية في الدعاية والتنقل وتغطية مكاتب التصويت وغيرها من متطلبات المنافسة الانتخابية. وطرح في هذا السياق سؤال تكافؤ الالتزامات بين مرشح محلي يتحمل أعباء مالية وسياسية كبيرة دون ضمان الفوز، وبين وكيلة لائحة جهوية تكون، وفق منطقه، في موقع انتخابي أكثر أمانا.
غير أن هذه الحجة نفسها تفتح نقاشا سياسيا يتجاوز الاتحاد الاشتراكي إلى مجمل الأحزاب: هل يمكن اعتبار القدرة على تمويل الحملة عنصرا مشروعا في تقييم المرشح، أم أن إدراجها ضمن معايير المفاضلة قد يؤدي عمليا إلى إضعاف مبدأ تكافؤ الفرص أمام الكفاءات التي لا تتوفر على الإمكانات المالية نفسها؟
وهذا هو جوهر القضية الذي ينبغي ألا يضيع وسط تبادل الاتهامات. فمن حق الأحزاب البحث عن الموارد القانونية لتمويل حملاتها، ومن حق المرشحين المساهمة فيها وفق القانون، لكن الشفافية تقتضي الفصل الواضح بين «المساهمة في الحملة» و«الحصول على التزكية»، حتى لا يصبح المال، حقيقة أو انطباعا، بوابة للولوج إلى المؤسسات المنتخبة.
مصطفى عجاب شدد في ختام توضيحاته على أن المال لم يكن العامل الحاسم في قرارات لجان البت، ودافع عن المسطرة باعتبارها تجربة حاول الحزب من خلالها توسيع دائرة التنافس وإبعاد اختيار وكيلات اللوائح الجهوية عن منطق التعيين المغلق. كما استحضر تاريخ الاتحاد الاشتراكي في الدفاع عن حقوق النساء والمناصفة، رافضا أن يتحول الخلاف الحالي إلى تشكيك في هذا الرصيد.
وبين رواية مريم جمال الإدريسي وتوضيحات مصطفى عجاب، أصبحت القضية اختبارا سياسيا يتجاوز أسماء الأشخاص إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية صناعة النخب الانتخابية داخل الأحزاب المغربية. فالانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع، بل تبدأ من اللحظة التي تحدد فيها الأحزاب من يستحق حمل ألوانها، وعلى أي أساس، وبأي معايير. وكلما كانت هذه المرحلة شفافة وقابلة للفهم والمساءلة، تقلصت مساحة الشك واتسعت الثقة في العمل السياسي.



