حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

المستودعات حول الدار البيضاء تشتعل أسعارها.. هل تدفع العاصمة الاقتصادية ثمن نجاحها اللوجستي؟

لم يعد البحث عن مستودع مهني في محيط الدار البيضاء عملية عقارية عادية، بعدما تحولت المساحات المخصصة للتخزين واللوجستيك إلى واحدة من أكثر المنتجات العقارية طلبا، لترتفع أسعار الكراء في بعض المواقع الاستراتيجية إلى مستويات تتجاوز 60 درهما للمتر المربع شهريا، بينما أصبح الفارق بين مستودعين متقاربين في المساحة يصل في بعض الحالات إلى 50 في المائة.
هذه الأرقام لا تحكي قصة العقار وحده، بل تكشف تحولا اقتصاديا أعمق تعرفه جهة الدار البيضاء سطات. فبوسكورة والنواصر وعين السبع والمناطق المتصلة بالطرق السيارة ومطار محمد الخامس وميناء الدار البيضاء أصبحت مواقع تتنافس عليها شركات التوزيع والصناعة والتجارة الإلكترونية والنقل، لأن المستودع اليوم لم يعد مجرد مكان لتكديس السلع، بل حلقة استراتيجية في سرعة وصولها إلى السوق.
وهنا تظهر المفارقة. فالدار البيضاء تجني ثمار موقعها الاقتصادي وقوة بنيتها الصناعية والتجارية، لكنها في الوقت نفسه بدأت تدفع ثمن هذا النجاح من خلال ضغط متزايد على العقار المخصص للأنشطة الاقتصادية.
عندما تتجاوز أسعار الكراء في المواقع الممتازة 60 درهما للمتر المربع شهريا، بينما يدور المتوسط الوطني حول 40 درهما، فإننا لا نتحدث فقط عن ارتفاع طبيعي تفرضه السوق، بل عن فجوة أصبحت تستحق الانتباه، خصوصا بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك القدرة المالية نفسها التي تتوفر عليها المجموعات الكبرى.
المشكلة أن المستودع جزء من تكلفة السلعة. وكل درهم إضافي تدفعه المقاولة مقابل التخزين والنقل والطاقة والمناولة يدخل بطريقة أو بأخرى في حساب تكلفة نشاطها، وقد يجد طريقه في النهاية إلى السعر الذي يدفعه المستهلك.
لكن لماذا تتركز الضغوط بهذه القوة حول الدار البيضاء؟ الجواب يوجد في الخريطة نفسها. فالقرب من أكبر سوق استهلاكية بالمملكة ومن المطار والميناء وشبكة الطرق السيارة والمناطق الصناعية يمنح العقار اللوجستي قيمة يصعب إيجادها في مناطق أخرى، خصوصا بالنسبة إلى الشركات التي تقيس تنافسيتها بالساعات وليس بالكيلومترات فقط.
كما أن جودة المستودع أصبحت عاملا حاسما في السعر. المساحات ذات الارتفاعات الكبيرة والمجهزة لاستقبال الشاحنات، والمتوفرة على أرصفة للشحن والتفريغ وربط كهربائي قوي وساحات للمناورة، لم تعد كثيرة مقارنة بالطلب المتزايد عليها، وهو ما يوسع الفارق بين العقار التقليدي والمستودعات الحديثة.
غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه من زاوية جهوية أكبر هو: لماذا تستمر الدار البيضاء في استقطاب هذه النسبة المرتفعة من النشاط اللوجستي بينما تتوفر جهات أخرى على الأراضي والطرق والموانئ والإمكانات اللازمة لبناء أقطاب منافسة؟
توزيع الاستثمار اللوجستي على جهات أخرى ليس فقط وسيلة لتخفيف الضغط عن العاصمة الاقتصادية، بل يمكن أن يتحول إلى أداة للتنمية الترابية وخلق فرص الشغل وجذب الصناعات إلى مدن جديدة، خصوصا مع تطور الموانئ والطرق السيارة والشبكة السككية بالمملكة.
أما داخل جهة الدار البيضاء سطات نفسها، فإن النواصر وبوسكورة والمناطق الجنوبية للعاصمة الاقتصادية تبدو مرشحة لمزيد من التحولات، خصوصا مع توسع النشاط الصناعي واللوجستي والاستثمارات المرتبطة بمحيط مطار محمد الخامس.
لكن توسيع العرض يجب أن يسبق الطلب وليس أن يلحق به. فإذا استمرت الشركات في التنافس على عدد محدود من المستودعات الحديثة، ستواصل الأسعار ارتفاعها، وقد يتحول العقار من عنصر مساعد للاستثمار إلى أحد أكبر العوائق أمامه.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من ثمن متر مربع داخل مستودع: هل نحن أمام طفرة صحية تعكس قوة الاقتصاد والطلب على الاستثمار، أم أن الدار البيضاء بدأت تدخل مرحلة ندرة عقارية لوجستية يمكن أن تضعف تنافسيتها إذا لم يواكبها عرض جديد؟
نجاح العاصمة الاقتصادية في جذب الأنشطة اللوجستية واضح، لكن النجاح الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم الطلب. يقاس أيضا بقدرة المدينة والجهة على استيعابه دون أن تتحول كلفة العقار إلى فاتورة يدفعها المستثمر والمقاولة والمستهلك معا.