حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

وضعت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، بناء اقتصاد وطني قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية والسيادية للمملكة في صلب البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031، الذي قدمته أمام مجلسي البرلمان في جلسة مشتركة امس الاثنين 19 أكتوبر .

وفي هذا الإطار، أعلنت عن استهداف نمو اقتصادي سنوي متوسط في حدود 5 في المائة خلال الفترة 2027–2031، بالتوازي مع تعزيز الاستثمار الخاص وتطوير الصناعة الوطنية وتحديث الفلاحة، وإطلاق خارطة سياحية للفترة 2027–2030 تروم استقبال 26 مليون سائح بحلول نهاية العقد.

وتندرج هذه الأهداف ضمن تصور اقتصادي يسعى إلى جعل النمو وسيلة لخلق الثروة وفرص الشغل، وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ الالتزامات الاجتماعية، مع الحفاظ على التوازنات المالية. فالحكومة لا تطرح زيادة الإنتاج والاستثمار باعتبارهما غاية منفصلة، وإنما تربطهما بضرورة تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحولات والتحديات المقبلة.

وفي هذا السياق، تراهن المنصوري على إعادة التوازن بين الإنتاج والخدمات، وتنويع الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز القدرات الوطنية في مجالات التكنولوجيا والتحول الطاقي والسيادة الرقمية والعلمية.

كما يضع البرنامج تطوير الصناعة والمنتوج الوطني ضمن توجه يستهدف تعويض الواردات، خصوصا المنتجات تامة الصنع، بما يدعم القاعدة الإنتاجية الوطنية ويعزز قدرة المقاولات المغربية على تلبية الطلب الداخلي وتطوير حضورها في الأسواق الخارجية.

ويحتل الاستثمار الخاص موقعا محوريا في هذه المقاربة، إذ تستهدف الحكومة رفع مساهمته إلى ثلثي الاستثمار الوطني. ولبلوغ هذا الهدف، تعتزم مواصلة تنزيل ميثاق الاستثمار، وتسريع إنجاز المشاريع المتعاقد بشأنها، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، إلى جانب تحسين مواكبة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وتيسير ولوجها إلى التمويل والضمانات والصفقات العمومية.

ويتكامل هذا التوجه مع العمل على توسيع التمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة إلى الاستثمار المنتج والمشاريع الكبرى والابتكار والتصنيع والتصدير، وتعبئة الادخار الوطني، ولا سيما المؤسساتي، وإنعاش الأسواق المالية.

وتكتسي هذه التدابير أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المنتظر من المقاولات في تحويل الاستثمارات إلى أنشطة اقتصادية منتجة ومناصب شغل، وهو ما يجعل تحسين شروط التمويل ومناخ الأعمال من رهانات تنفيذ البرنامج الحكومي.

وضمن الرؤية نفسها، تحتل السياحة مكانة ضمن مسار تنويع الاقتصاد وتوسيع مصادر الدخل. فقد أعلنت رئيسة الحكومة عن خارطة سياحية للفترة 2027–2030 تستهدف بلوغ 26 مليون سائح في أفق 2030، إلى جانب تطوير التعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتصاد الرياضة.

ويعكس هذا التوجه إرادة لتوسيع مساهمة الأنشطة السياحية والخدمات المرتبطة بها في خلق القيمة المضافة، مع أهمية ربط الأهداف الكمية بقدرة البنيات الأساسية والعرض السياحي والخدمات المحلية على استيعاب النمو المرتقب وتوزيع منافعه على مختلف الجهات.

كما يشمل البرنامج مواصلة تحديث الفلاحة وتعزيز الاستثمار في البنيات الأساسية والاستراتيجيات الإنتاجية، بما يربط التنمية الاقتصادية بالأمن الغذائي والقدرة على مواجهة الضغوط المناخية والاقتصادية.

ويظل نجاح هذه الاختيارات مرتبطا بمدى تحقيق التكامل بين القطاعات، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع ذات مردودية اقتصادية واجتماعية، قادرة على خلق فرص الشغل وتحسين تنافسية الإنتاج الوطني.

وعلى مستوى المالية العمومية، حددت الحكومة هدف حصر التضخم في حدود 2 في المائة سنويا، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة 2026–2031، مع وضع المديونية العمومية في مسار تنازلي يستهدف بلوغ نحو 62 في المائة من الناتج بحلول 2031.

ولتحقيق هذه الأهداف، تعتزم توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي في إطار إصلاح القانون التنظيمي للمالية، والاستفادة من أثر النمو الاقتصادي، وتعزيز مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية.

كما أعلنت المنصوري عن تسريع إعادة هيكلة المحفظة العمومية، بما يتيح معالجة الوضعية المالية للمؤسسات والمقاولات العمومية وتحسين أدائها.

وتكشف هذه الالتزامات عن ترابط واضح بين الاختيارات الاقتصادية والتوازنات المالية؛ فرفع الاستثمار وتوسيع الإنتاج يفترض أن يساهما في تنمية الموارد، في حين يتطلب ضبط العجز والمديونية تحسين توجيه النفقات وتعزيز مردوديتها. غير أن بلوغ الأهداف المعلنة سيظل رهينا بمدى تقدم الإصلاحات وقدرة النمو على توليد موارد وفرص شغل فعلية.

وفي ختام تقديم البرنامج الحكومي، أكدت رئيسة الحكومة أن تنفيذ الالتزامات المعلنة يظل مسؤولية الحكومة، في ظل رقابة البرلمان وتقييمه ومساهمة القوى الوطنية والإعلام.

كما أعلنت انفتاحها على الأغلبية والمعارضة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمجتمع المدني والكفاءات الوطنية، مع الالتزام بإبقاء الحوار مفتوحا أمام المقترحات الجادة والنقد البناء.

وبذلك، يضع البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 أمام الحكومة تحديا يتجاوز تحقيق المؤشرات الاقتصادية المستهدفة إلى تحويلها إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

فالمعيار الأساسي لنجاح الرؤية المعلنة سيظل مرتبطا بقدرتها على الجمع بين نمو منتج، واستثمار أكثر فعالية، وفرص شغل أوسع، وتوازنات مالية مستدامة، بما يجعل الاقتصاد رافعة فعلية لتمويل الطموحات الاجتماعية والسيادية للمغرب.