حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تستعد مدينة الصويرة لاحتضان دورة جديدة من مهرجان الأندلسيات الأطلسية، من 29 إلى 31 أكتوبر الجاري، ببرنامج فني يحتفي بتعدد الروافد الثقافية للمغرب، ويمنح مساحة خاصة للحوار بين التقاليد الموسيقية اليهودية المغربية والموسيقى الكناوية، في لقاء غير مسبوق يجمع فن البيوط والكناوة على منصة واحدة.

وتنظم جمعية الصويرة موكادور الدورة الحادية والعشرين تحت شعار «ألف × أليف: حرفان وتاريخ واحد»، من خلال خمسة عشر حفلا فنيا، تستحضر الذاكرة المشتركة وتبرز قدرة الموسيقى على وصل الثقافات والأجيال، في مدينة ظلت فضاء للتلاقي بين روافد الحضارة المغربية.

ويشكل الحفل الختامي، المقرر مساء السبت 31 أكتوبر، أبرز محطات هذه الدورة، إذ سيلتقي فن البيوط، القائم على الشعر الديني اليهودي المغنى، مع الموسيقى الكناوية، في تجربة فنية طال انتظارها. وتعود جذور هذه المبادرة إلى سنة 2022، حين طُرحت فكرتها على خشبة دار الصويري بمشاركة يائير هاريل، قبل أن تنتقل إلى مرحلة التجسيد الفني.

ويستند هذا اللقاء إلى تفاعل الإيقاعات الكناوية مع أصوات البيوط، التي ستؤدي نصوصا من «ياغيل يعقوب»، وهو ديوان يضم قصائد دينية مغناة كتبت بالمغرب من طرف عائلة أبي حصيرة. ويمنح هذا الاختيار المشروع بعدا يتجاوز التلاقي الموسيقي، ليعيد إبراز امتدادات التراث اليهودي المغربي وصلته بالذاكرة الثقافية الوطنية.

وتنطلق فعاليات المهرجان الخميس 29 أكتوبر، بحفل يجمع بين جيلين وتجربتين من الموسيقى المغربية. إذ يشارك موشيه لوك للمرة الأولى في المهرجان، مستندا إلى إرث عمه الحاخام حاييم لوك، أحد أبرز رموز الموسيقى اليهودية المغربية وأصوات المهرجان المعروفة.

ويلتقي الفنان بمراد حجي، أحد الأصوات البارزة في الموسيقى العربية الأندلسية بالمغرب، في عرض يحتفي بفن «المتروز»، القائم على الحوار بين التقاليد الموسيقية اليهودية والعربية.

وسيخصص هذا اللقاء تحية فنية للحاخام حاييم لوك وعبد الرحيم السويري، اللذين تركا بصمة بارزة في تاريخ المهرجان. كما ستشهد الأمسية عودة الفنانة نوهيلا القلعي إلى المنصة التي ظهرت عليها وهي في الثالثة عشرة من عمرها، بعد سنوات من الغياب، لتتقاسم الخشبة مع مراد حجي في عرض يجسد انتقال التجربة الفنية من جيل إلى آخر.

ويشارك في الحفل موسيقيون من الأوركسترا الأندلسية بقيادة عازف الكمان إلعاد ليفي، إلى جانب نخبة من الموسيقيين المغاربة تحت إشراف عازف الكمان أنس بلحشيمي.

وعند منتصف الليل، تنتقل السهرات إلى دار الصويري مع فرقة «ها بيوط»، التي تضم 18 فنانا يمثلون ثلاثة أجيال، ويجمعهم الاهتمام بصون هذا الفن الشعري الغنائي ونقله إلى الأجيال الجديدة. وكانت الفرقة قد استفادت في بداياتها من توجيه الحاخام حاييم لوك، كما حظيت هذه السنة في إسرائيل بجائزة لانداو المرموقة للفنون والعلوم.

أما يوم الجمعة 30 أكتوبر، فيفتح المهرجان نافذة للنقاش الثقافي من خلال منتدى الأندلسيات، الذي يحتضنه بيت الذاكرة من العاشرة صباحا إلى الواحدة بعد الزوال، تحت شعار «أهمية المكان، وأهمية الرابط». ويجمع اللقاء فنانين وباحثين ومثقفين وكتابا وصحافيين، في فضاء للنقاش المفتوح تتخلله فقرات موسيقية.

وفي الفترة المسائية، يقدم حامد أجبار بدار الصويري عرض «نفَس الأندلس»، الذي يستكشف عوالم الشعر الأندلسي بين الحب والمنفى والتصوف.

كما يستحضر محمد عبود فن الموال والغناء الأندلسي، إلى جانب أغانٍ كانت نساء طنجة يؤدينها في سهراتهن، بمرافقة مجموعة موسيقية تضم عازفين وعازفات، في تجربة لا تزال محدودة الحضور ضمن التشكيلات الأندلسية.

ويحتضن بيت الذاكرة أيضا مشاركة عازفة الغيتار الإسبانية مرسيدس لوخان، التي تسلط الضوء على حضور المرأة في فن الغيتار الفلامنكي، تليها فقرة «شيرا أوتفيلة»، التي تستعيد رحلة ذاكرة هاغادا يهودية سفاردية من إسبانيا سنة 1492 إلى سراييفو، حيث جرى إنقاذها خلال الحرب العالمية الثانية على يد رجل مسلم من البوسنة، لتصبح رمزا للتعايش بين الأديان والثقافات.

وتتواصل السهرة الرئيسية مع تجربة تجمع صوتين نسائيين من جيلين مختلفين في فن الملحون، هما ماجدة اليحياوي وسهيلة الصحراوي، بمرافقة أوركسترا الأصالة من مكناس بقيادة رشيد لحكيم، وبمشاركة فرقة الحاج سعيد برادة، أحد أبرز وجوه فنون عيساوة.

وسيستعيد هذا العرض عددا من القطع المتداولة في الذاكرة الغنائية المغربية، من بينها «الغزال فاطمة» و«رفق يا مالكي» و«كلمة عظيمة» و«البوراقية» و«لالة غيثة مولاتي»، في احتفاء بقيم التشارك والفرح والكرم ونقل الموروث بين الأجيال، ضمن أجواء تستحضر روح «تمغربيت». وعند الساعة الحادية عشرة ليلا، تعود سامية العنطري إلى منصة المهرجان الذي شهد انطلاقتها الفنية وهي في الخامسة عشرة من عمرها.

وبهذا البرنامج، تضع الدورة الحادية والعشرون من مهرجان الأندلسيات الأطلسية الحوار بين الفنون والذاكرة المشتركة في صلب اختياراتها، مستندة إلى رصيد الصويرة الثقافي وإلى تعدد روافد الهوية المغربية.

غير أن الرهان الأبرز لهذه السنة يتمثل في تحويل التقارب التاريخي بين البيوط والكناوة إلى تجربة موسيقية مشتركة، تتيح للتراث أن يواصل حياته فوق الخشبة، لا بوصفه ذاكرة للماضي فحسب، بل باعتباره جسرا للتواصل بين الثقافات والأجيال.