المال الانتخابي يطل برأسه قبل شتنبر.. من يحمي أصوات المغاربة من سماسرة الصناديق؟
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود المال الانتخابي إلى قلب النقاش السياسي، وتعود معه المخاوف من أن تتحول المنافسة بين البرامج والأفكار إلى سباق تحسمه القدرة على الإنفاق واستقطاب الوسطاء وبناء شبكات انتخابية هدفها الوصول إلى أصوات المواطنين بأي ثمن.
المشكلة لا تبدأ يوم الاقتراع، ولا تختصر في ورقة نقدية تقدم لناخب مقابل صوته، بل قد تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تتحرك شبكات المصالح ويظهر سماسرة الانتخابات وتستعمل المساعدات والوعود والمنافع الشخصية لاستمالة المواطنين، في ممارسات تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص وتفرغ الانتخابات من معناها الديمقراطي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعملية الانتخابية هو أن يصبح المقعد البرلماني أو الجماعي استثمارا ماليا. فالمرشح الذي ينفق أموالا طائلة للوصول إلى مؤسسة منتخبة قد لا ينظر إلى السياسة باعتبارها خدمة للمواطن، بل قد يتعامل معها كاستثمار ينتظر استرجاع تكلفته بعد الفوز، وهنا تبدأ دائرة خطيرة يدفع ثمنها المواطن والتنمية والمرفق العمومي.
المغرب اليوم في حاجة إلى انتخابات تفتح الطريق أمام الكفاءات والنخب الجديدة والشباب والنساء وأصحاب المشاريع السياسية الحقيقية، وليس أمام من يملك المال أكثر من غيره. فالديمقراطية لا يمكن أن تتطور إذا أصبح دخول المؤسسات رهينا بالقدرة المالية بدل الكفاءة والنزاهة والثقة التي يبنيها المرشح وسط المواطنين.
كما أن مسؤولية الأحزاب السياسية لا تقل أهمية عن مسؤولية السلطات المكلفة بالسهر على نزاهة الانتخابات. فالحزب الذي يريد تخليق الحياة السياسية عليه أن يبدأ من داخله، وأن يختار مرشحيه على أساس الكفاءة والنزاهة والحضور المجتمعي، لا على أساس القدرة على تمويل الحملة أو ضمان عدد معين من الأصوات.
وفي المقابل، يبقى المواطن الطرف الأكثر قدرة على إسقاط معادلة المال الانتخابي. فالناخب الذي يرفض بيع صوته لا يدافع فقط عن كرامته، بل يدافع عن مستقبل مدينته وجماعته وجهته ووطنه. الصوت الانتخابي ليس سلعة موسمية، بل قرار يحدد من سيتولى التشريع والرقابة وتدبير الشأن العام خلال سنوات كاملة.
ومن هنا، فإن مواجهة المال الانتخابي يجب ألا تكون حملة موسمية تبدأ قبل الاقتراع بأيام وتنتهي بإغلاق مكاتب التصويت، بل ينبغي أن تكون عملا مستمرا يقوم على المراقبة والصرامة القانونية والتوعية وتشجيع المواطنين على التبليغ عن كل محاولة لشراء الأصوات أو التأثير غير المشروع في إرادتهم.
كما يتحمل الإعلام مسؤولية أساسية في هذه المرحلة، ليس عبر إطلاق الاتهامات دون أدلة، وإنما من خلال تسليط الضوء على الظاهرة وفتح النقاش حول مصادر تمويل الحملات وطبيعة المنافسة الانتخابية ودور الأحزاب في اختيار مرشحيها، مع احترام قرينة البراءة وعدم تحويل السباق الانتخابي إلى محاكمات إعلامية.
الانتخابات المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا لمدى قدرة المشهد السياسي على استعادة ثقة جزء من المواطنين الذين أصبحوا ينظرون بكثير من الشك إلى العمل الحزبي. واستعادة هذه الثقة لن تتحقق بالشعارات والصور والوعود، وإنما عندما يشعر المواطن أن صوته له قيمة وأن الجميع متساوون أمام القانون وأن المقعد لا يشترى بالمال.
المعركة الحقيقية إذن ليست فقط حول من سيفوز في الانتخابات، بل حول نوعية السياسة التي نريدها للمغرب. هل نريد مؤسسات يصل إليها من يستطيع إقناع المواطن ببرنامجه ونزاهته وكفاءته، أم مؤسسات يستطيع البعض الوصول إليها بقوة المال وشبكات المصالح؟
في جهات نعتبر أن حماية صوت المواطن هي حماية للديمقراطية نفسها. ومن يبيع صوته مقابل مبلغ ينتهي في ساعات قد يمنح لغيره سنوات من القرار، ومن يشتري صوت المواطن اليوم لا يمكن أن ننتظر منه بالضرورة أن يجعل مصلحة ذلك المواطن أولويته غدا. لذلك يجب أن تكون الرسالة واضحة قبل فتح صناديق الاقتراع: صوت المغربي ليس للبيع، والانتخابات ليست سوقا، والسياسة مسؤولية قبل أن تكون مقعدا.



