العيون على خريطة الهيدروجين الأخضر.. استثمار ضخم يطرق أبواب التمويل الأوروبي
تتجه الأنظار مجددا نحو الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهذه المرة من بوابة الطاقة النظيفة، مع تقدم مشروع للهيدروجين الأخضر بالعيون تقدر الاستثمارات المرتبطة بمرحلته الأولى بنحو 4.5 مليارات دولار، في مؤشر جديد على التحولات الاقتصادية التي يمكن أن تعرفها المنطقة خلال السنوات المقبلة.
المشروع، الذي يتحرك وراءه تحالف ORNX، يقوم على استثمار الإمكانات الطبيعية التي تتمتع بها المنطقة، خصوصا وفرة الطاقة الشمسية والريحية، لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وفي مقدمتها الأمونيا الخضراء، مع توجيه جزء مهم من الإنتاج نحو الأسواق الخارجية.
غير أن الرقم الاستثماري، رغم ضخامته، ليس وحده ما يجعل المشروع يستحق الاهتمام. فالأهم هو موقعه ضمن سباق دولي متسارع لبناء مصادر جديدة للطاقة النظيفة، في وقت تبحث فيه أوروبا عن تنويع إمداداتها وتقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية خلال العقود المقبلة.
وتبدو الأقاليم الجنوبية للمغرب مؤهلة للعب دور متقدم في هذه المعادلة، بالنظر إلى المساحات المتاحة وقوة الرياح وارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي والقرب الجغرافي من أوروبا، إضافة إلى الواجهة الأطلسية التي يمكن أن تمنح المشاريع المستقبلية قدرة مهمة على التصدير.
لكن الانتقال من إعلان مشروع بمليارات الدولارات إلى منشآت تعمل فعليا على الأرض يمر عبر مرحلة أكثر تعقيدا: التمويل. ومن هنا تأتي التحركات الرامية إلى استقطاب تمويلات أوروبية للمشروع، باعتبار أن مشاريع الهيدروجين الأخضر تحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل بلوغ مرحلة الإنتاج التجاري.
والرهان بالنسبة إلى العيون لا ينبغي أن يقتصر على احتضان وحدات لإنتاج الطاقة. فالفرصة الحقيقية تكمن في بناء منظومة اقتصادية حولها تشمل التحلية والنقل والهندسة والصيانة والصناعة والخدمات والتكوين، بما يسمح ببقاء جزء أكبر من القيمة المضافة داخل الجهة.
كما يطرح المشروع سؤال التشغيل. فالأرقام الاستثمارية الكبيرة تصبح أكثر أهمية بالنسبة إلى السكان عندما تتحول إلى فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وإلى تكوين كفاءات محلية قادرة على الاشتغال في الصناعات الجديدة، بدل الاكتفاء باستقدام الخبرات من خارج المنطقة.
وهنا يمكن أن تظهر إحدى أكبر الفرص أمام الأقاليم الجنوبية: الانتقال من نموذج يعتمد على الاستثمار في البنية التحتية إلى نموذج قادر على إنتاج صناعات جديدة مرتبطة بالطاقة والتصدير والتكنولوجيا.
كما أن نجاح مشاريع بهذا الحجم يمكن أن يغير موقع العيون اقتصاديا. فالمدينة التي ارتبط اسمها لسنوات بالصيد البحري والخدمات والتجارة قد تجد نفسها مستقبلا في قلب صناعة عالمية ناشئة، إذا تحولت المشاريع المعلنة إلى استثمارات فعلية.
لكن الطريق ما زال يحتاج إلى الكثير من العمل. فسوق الهيدروجين الأخضر نفسها في طور التشكل، والمنافسة قوية بين دول في إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا اللاتينية لجذب المستثمرين والفوز بعقود التصدير المستقبلية.
لذلك فإن التحدي المغربي لن يكون فقط إنتاج الهيدروجين بسعر تنافسي، وإنما بناء سلسلة صناعية متكاملة تستطيع تحويل الطاقة المتجددة إلى منتج ذي قيمة مضافة، وربطه بالموانئ والأسواق الدولية.
وفي حال نجاح هذا الرهان، لن تكون المسألة مجرد مشروع بقيمة 4.5 مليارات دولار في العيون، بل بداية تحول أكبر قد يجعل الأقاليم الجنوبية إحدى بوابات المغرب نحو اقتصاد الطاقة النظيفة، ويمنح الجهة موقعا جديدا على خريطة الاستثمارات الدولية.



