حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

الخطوط الملكية المغربية.. أسعار التذاكر نحو إفريقيا تعكس تحديات عالمية ودوراً وطنياً يتجاوز الحسابات التجارية

في ظل النقاش الذي يرافق أسعار تذاكر السفر نحو عدد من الوجهات الإفريقية، وفي مقدمتها غينيا بيساو، تبرز مجموعة من المعطيات الاقتصادية والتقنية التي تستدعي قراءة موضوعية ومتوازنة للسياسة التجارية للخطوط الملكية المغربية، باعتبارها ناقلة وطنية تضطلع بأدوار استراتيجية تتجاوز منطق الربح والخسارة، لتشمل المساهمة في تعزيز الحضور الاقتصادي والدبلوماسي للمملكة داخل القارة الإفريقية وعلى الصعيد الدولي.

وفي هذا السياق، اتصل موقع «جهات» بخبير في مجال الطيران، أوضح أن ارتفاع أسعار التذاكر نحو بعض الوجهات الإفريقية لا يمكن فصله عن التحولات التي تعرفها صناعة النقل الجوي عالمياً، خاصة ما يتعلق بتكاليف الوقود والخدمات الجوية والأرضية، إلى جانب محدودية المنافسة على عدد من الخطوط التي تربط المغرب بدول إفريقيا جنوب الصحراء.

وأشار الخبير إلى أن أسعار وقود الطائرات شهدت ضغوطاً استثنائية على خلفية الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، موضحاً أن سعر الطن، الذي كان في حدود 600 دولار قبل هذه التطورات، وصل وفق تقديراته إلى نحو 1900 دولار، أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف مستواه السابق، وهي معطيات تعكس، بحسب المتحدث، حجم التحديات التي قد تواجه شركات الطيران في تدبير تكاليفها التشغيلية، مع ضرورة التمييز بين أسعار الوقود في الأسواق المختلفة والفترات الزمنية المعنية.

ولا تتوقف هذه التكاليف عند الوقود وحده، بل تشمل أيضاً رسوم الملاحة الجوية، وخدمات المطارات، والمناولة الأرضية، والصيانة، والتأمين، وتشغيل الطائرات والأطقم، وهي التزامات مالية تظل قائمة بصرف النظر عن عدد المسافرين أو نسبة امتلاء الرحلات. كما أن محدودية المنافسة على بعض الوجهات الإفريقية تجعل تشغيل هذه الخطوط أكثر تعقيداً من الوجهات التي تعرف كثافة في الحركة الجوية وتعدد الشركات الناقلة، ومن هذا المنطلق، فإن المقارنة بين أسعار الرحلات نحو العواصم الإفريقية وتلك المتجهة إلى المدن الأوروبية لا يمكن أن تعتمد على المسافة وحدها، بل ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار حجم السوق والطلب وتواتر الرحلات وطبيعة التكاليف.

وبعيداً عن الاعتبارات التجارية، تبقى الخطوط الملكية المغربية شركة وطنية مواطنة، تشكل إحدى الواجهات البارزة للحضور المغربي خارج الحدود، وتؤدي دوراً محورياً في ربط المملكة بعمقها الإفريقي وبمختلف دول العالم، فالناقلة الوطنية ليست مجرد وسيلة للنقل، بل جسر اقتصادي وإنساني وثقافي يساهم في تقريب الشعوب، وتسهيل المبادلات التجارية، ومواكبة الاستثمارات المغربية، وتعزيز إشعاع المملكة على المستوى الدولي.

وقد اكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل السياسة الإفريقية التي تنهجها المملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي جعلت من التعاون جنوب–جنوب والشراكات الاقتصادية والتكامل الإفريقي خيارات استراتيجية ثابتة.

وفي هذا الإطار، تضطلع الخطوط الملكية المغربية بمهمة أساسية في مواكبة هذه الدينامية، من خلال شبكتها الجوية التي تجعل من الدار البيضاء نقطة وصل بين عدد من العواصم الإفريقية والوجهات الدولية. وتبرز أهمية هذا الدور في وجهات مثل غينيا بيساو، حيث يساهم الربط الجوي في تسهيل تنقل المستثمرين ورجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين، وفتح آفاق التعاون في قطاعات الصحة والطاقة والبناء والتجارة والخدمات، وهي مجالات تشهد اهتماماً متزايداً من المقاولات المغربية الراغبة في توسيع أنشطتها داخل القارة.

ومن الإنصاف أيضاً الإشارة إلى أن استمرار تشغيل بعض الوجهات، رغم محدودية حجم أسواقها والتحديات المرتبطة بتكاليف استغلالها، يمثل مساهمة مهمة في الحفاظ على التواصل الجوي بين المغرب وشركائه الأفارقة، وإن كانت معرفة المردودية الفعلية لكل خط تتطلب الاطلاع على معطياته التشغيلية والمالية.

إن الخطوط الملكية المغربية، بما راكمته من تجربة ومكانة داخل قطاع النقل الجوي الإفريقي، تظل فاعلاً استراتيجياً في خدمة المصالح العليا للمملكة، وشريكاً في تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية المغربية، وهو ما يجعل تقييم أسعار تذاكرها يستوجب استحضار مختلف الإكراهات التي تواجهها، وعدم اختزال أدائها في ثمن تذكرة على وجهة معينة.

وفي المحصلة، فإن النقاش حول أسعار النقل الجوي نحو إفريقيا ينبغي أن ينطلق من فهم شامل للتحديات التي تواجه صناعة الطيران، مع الاعتراف بالدور الوطني الذي تضطلع به الخطوط الملكية المغربية في ربط المملكة بالقارة الإفريقية وبالعالم، فالمحافظة على شبكة جوية واسعة وموثوقة، في ظل تقلبات الأسواق وارتفاع تكاليف التشغيل، تظل مسؤولية اقتصادية واستراتيجية تتطلب التوفيق بين التنافسية التجارية واستمرارية الخدمة وتعزيز مكانة المغرب باعتباره قطباً جوياً قارياً ودولياً.