عاد ملف الإنتاج التلفزيوني الخارجي بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة إلى واجهة النقاش المهني، وسط تساؤلات متزايدة حول الشركات التي تستفيد من طلبات العروض، ومعايير اختيار المشاريع، ومدى قدرة شركات جديدة على دخول سوق ترتبط به ميزانيات عمومية مهمة.
ولا يتعلق النقاش بجودة مسلسل أو برنامج بعينه، بل بمنظومة كاملة تبدأ من الإعلان عن طلبات العروض، وتمر بدراسة الملفات وتقييم المشاريع، وتنتهي باختيار شركات تتولى تنفيذ إنتاجات موجهة إلى قنوات المرفق العمومي.
والسؤال الذي يطرحه عدد من المتابعين والمهنيين بسيط في ظاهره لكنه جوهري: لماذا تتكرر أسماء بعض شركات الإنتاج في أكثر من موسم وأكثر من صنف من البرامج؟ وهل يعود ذلك إلى الخبرة والقدرة التقنية والمالية، أم أن شروط المنافسة تجعل دخول فاعلين جدد أكثر صعوبة؟
تكرار شركة في الفوز بصفقات لا يشكل، في حد ذاته، دليلا على وجود مخالفة أو محاباة. فقد تتوفر الشركة على تجربة وموارد بشرية وتجهيزات وقدرة على احترام دفاتر التحملات والآجال. لكن عندما يتعلق الأمر بأموال عمومية وبقطاع يفترض فيه تشجيع الإبداع والتنوع، يصبح من المشروع طرح أسئلة حول مستوى المنافسة وشفافية الاختيار.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يتحدث مهنيون من داخل الوسط الفني عن صعوبة وصول مشاريعهم إلى الشاشة، وعن شعور بوجود دائرة محدودة من المتعاملين الذين يحضرون باستمرار في خريطة الإنتاج.
وكان المخرج المغربي هشام العسري قد أثار بدوره هذا النقاش بعدما انتقد، عبر تدوينة على حسابه في «فيسبوك»، ما اعتبره استمرار منح الفرص لشركات الإنتاج نفسها، مطالبا بمزيد من الشفافية والإنصاف ووضع حد لما وصفه بـ«الاحتكار».
لكن الانتقال من الانطباعات المهنية إلى تقييم موضوعي للمنظومة يتطلب نشر الأرقام. من هي الشركات التي حصلت على الصفقات خلال السنوات الأخيرة؟ كم عدد المشاريع التي فازت بها كل شركة؟ وما القيمة المالية الإجمالية للعقود التي حصل عليها كل متعامل؟
كما يحق للرأي العام معرفة عدد الشركات التي تقدمت لكل طلب عروض، والمعايير التي اعتمدتها اللجان في التنقيط، وكيف تم تقييم الجانب الفني والمالي، وما إذا كانت هناك آليات تمنع تركيز نسبة كبيرة من الإنتاجات لدى عدد محدود من الشركات.
فالحديث عن مبالغ كبيرة، قد تصل عند جمع ميزانيات الإنتاجات والبرامج على مدى سنوات إلى مستويات مهمة، يفرض الدقة في استعمال الأرقام. ولا يمكن الحديث عن «مليارات» استفادت منها شركات محددة إلا استنادا إلى عقود ونتائج طلبات عروض ووثائق مالية رسمية تسمح بتحديد القيمة الحقيقية لكل صفقة.
القضية هنا ليست توجيه الاتهام إلى شركة إنتاج لمجرد فوزها أكثر من مرة، كما أنها ليست التشكيك تلقائيا في عمل لجان الاختيار، وإنما المطالبة بإتاحة أكبر قدر ممكن من المعطيات التي تجعل المنافسة قابلة للتقييم من طرف المهنيين والرأي العام.
فالشفافية لا تحمي المال العمومي فقط، بل تحمي أيضا الشركات الفائزة نفسها من الشبهات، لأنها تجعل حصولها على المشاريع مرتبطا بمعايير ونتائج واضحة يمكن للجميع الاطلاع عليها.
وفي قطاع يقوم أساسا على الإبداع، تطرح مسألة تنويع المتعاملين تحديا آخر. فإذا ظلت الأبواب تدور حول عدد محدود من المنتجين والمخرجين، فقد تخسر الشاشة المغربية أصواتا وتجارب وأفكارا جديدة كان من الممكن أن تقدم للمشاهد محتوى مختلفا.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من أسماء الشركات: هل تساعد منظومة طلبات العروض الحالية على بناء صناعة سمعية بصرية تنافسية، أم أنها تحتاج إلى مراجعة تسمح بتوسيع قاعدة المنتجين وتشجيع المقاولات الجديدة مع الحفاظ على شروط الجودة والخبرة؟
ويمكن للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة أن تحسم جزءا كبيرا من هذا الجدل عبر مزيد من إتاحة البيانات المتعلقة بنتائج طلبات العروض وقيمها والشركات المستفيدة وتوزيع المشاريع، بما يسمح بإجراء مقارنة موضوعية على مدى عدة سنوات.
أما الحكم على وجود تركيز فعلي للصفقات، فلا ينبغي أن يبنى على الأسماء المتداولة أو الانطباعات، وإنما على جدول واضح يجمع الشركة، المشروع، السنة، قيمة العقد وعدد مرات الفوز.
عندها فقط ستجيب الأرقام عن السؤال الذي يتردد اليوم داخل الوسط السمعي البصري: هل نحن أمام منافسة مفتوحة تتكرر فيها بعض الشركات بسبب عروضها الأفضل، أم أمام سوق يحتاج إلى قواعد إضافية لضمان تنوع أكبر وتكافؤ أوسع للفرص؟
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



