رغم توسع استخدام البطاقات البنكية وارتفاع عدد المعاملات الإلكترونية، لا يزال النقد يفرض حضوره بقوة في الاقتصاد المغربي، في مفارقة تكشف أن تعميم الخدمات المالية لم ينجح بعد في تحويل الأداء الرقمي إلى وسيلة مفضلة في المعاملات اليومية.
وبلغ حجم الأوراق النقدية والقطع المعدنية المتداولة 550.3 مليار درهم عند نهاية غشت 2026، مقابل 491 مليار درهم في نهاية 2025، بزيادة قدرها 59.3 مليار درهم خلال ثمانية أشهر، وفق المعطيات النقدية لبنك المغرب. ويعكس هذا التطور استمرار الإقبال على السيولة النقدية، رغم الجهود المبذولة لتوسيع استخدام وسائل الأداء الإلكتروني.
وتبرز بيانات البنك المركزي لسنة 2024 الفارق بين امتلاك البطاقة البنكية واستعمالها للأداء؛ فقد بلغ عدد عمليات الأداء بالبطاقات 192.5 مليون عملية، بقيمة إجمالية وصلت إلى 63 مليار درهم، مقابل سحوبات نقدية بقيمة 403 مليارات درهم. وتوضح هذه الأرقام أن البطاقة لا تزال تُستخدم على نطاق واسع للحصول على الأموال النقدية، أكثر من استخدامها لتسوية المشتريات مباشرة.
ولا يرتبط هذا الوضع بتوفر الوسائل التقنية وحده، بل يتصل أيضاً بعادات المستهلكين، ومدى قبول التجار للأداء الإلكتروني، وتكلفة الخدمات الرقمية، فضلاً عن اتساع المعاملات النقدية في الأنشطة غير المهيكلة. ولذلك، فإن توسيع الشمول المالي لن يكون كافياً ما لم يصاحبه تغيير فعلي في أنماط الأداء لدى الأفراد والمقاولات.
ويتمثل التحدي أمام السياسات المالية في جعل الأداء الإلكتروني أكثر سهولة وأقل تكلفة، وتوسيع شبكة التجار الذين يقبلونه، بما يتيح تقليص الاعتماد على النقد وتحسين شفافية المعاملات. فالمؤشر الحقيقي لنجاح الرقمنة لا يكمن في عدد البطاقات والحسابات المفتوحة فحسب، بل في مدى تحولها إلى أدوات يومية للأداء.



