حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

470 مليون درهم لتسع محطات.. الـRER يعيد رسم خريطة التنقل بالدار البيضاء

تدخل الدار البيضاء الكبرى مرحلة جديدة في إعادة بناء منظومة تنقلها، بعدما انتقل مشروع القطار الجهوي السريع «RER» خطوة إضافية نحو التنفيذ بإسناد صفقتين لإنجاز تسع محطات، بقيمة إجمالية تناهز 470.72 مليون درهم دون احتساب الضرائب، في مشروع لا يتعلق ببناء محطات للقطار فقط، بل بإعادة التفكير في الطريقة التي يتحرك بها ملايين السكان بين السكن والعمل والدراسة والخدمات.
وتتوزع المحطات الجديدة على محور جغرافي واسع يمتد من المحمدية إلى النواصر، مرورا بقلب العاصمة الاقتصادية، بما يعكس فلسفة مختلفة عن شبكة النقل السككي التقليدية التي ارتبطت أساسا بالسفر بين المدن.
وتشمل المرحلة الجديدة محطات المحمدية الكليات، وزناتة الصناعية، وسيدي البرنوصي، وعين السبع، والحي المحمدي، ومرس السلطان، والدار البيضاء الواحة، وسيدي معروف، والنواصر المدينة الجديدة.
هذه الأسماء وحدها تكشف أهمية المشروع. فنحن أمام مناطق جامعية وصناعية وأحياء ذات كثافة سكانية مرتفعة وأقطاب للأعمال ومجالات عمرانية جديدة، ما يعني أن القطار الجهوي السريع يستهدف جزءا مهما من التنقل اليومي داخل المجال الحضري وشبه الحضري.
والدار البيضاء تحتاج فعليا إلى هذا النوع من الحلول. فالتوسع العمراني تجاوز منذ سنوات الحدود التقليدية للمدينة، وأصبح آلاف الأشخاص يقيمون في المحمدية والنواصر وبوسكورة والمناطق المحيطة، بينما توجد مقرات عملهم أو دراستهم داخل العاصمة الاقتصادية أو في أقطاب صناعية بعيدة عن مساكنهم.
والنتيجة معروفة يوميا: ضغط على الطرق السيارة، اختناقات في مداخل المدينة، ساعات تضيع داخل السيارات والحافلات، وكلفة متزايدة للتنقل بالنسبة إلى الأسر والمقاولات.
هنا يمكن أن يصنع الـRER الفارق، بشرط ألا ينظر إليه باعتباره قطارا إضافيا فقط، بل شبكة نقل للقرب تعمل بوتيرة منتظمة وتتكامل مع الترامواي والحافلات وسيارات الأجرة وباقي وسائل التنقل.
فالقيمة الحقيقية لمحطة في سيدي معروف مثلا لن تكون في شكل بنايتها، وإنما في قدرة الموظف أو الطالب على النزول من القطار والانتقال بسهولة إلى وسيلة أخرى تكمل رحلته. والأمر نفسه ينطبق على عين السبع وسيدي البرنوصي وزناتة والنواصر وباقي المحطات.
المشروع الكامل المرتقب يتجه إلى شبكة من ثلاثة خطوط تمتد لنحو 92 كيلومترا وتضم 18 محطة، مع رهان على الوصول إلى وتيرة قطار كل 15 دقيقة في بعض المقاطع واستيعاب ما يصل إلى 180 ألف مسافر يوميا في أفق 2030.
وإذا تحققت هذه الأهداف، فإن التأثير لن يقتصر على النقل. وجود محطة RER يمكن أن يغير قيمة العقار المحيط بها، ويجذب الأنشطة التجارية والخدمات والاستثمارات، ويعيد تشكيل بعض الأحياء حول مفهوم جديد يقوم على السكن والعمل بالقرب من النقل الجماعي.
لكن المشروع يطرح في المقابل تحديا أساسيا: ماذا سيحدث خارج أبواب المحطات؟
إنشاء محطة حديثة دون توفير أرصفة ومسارات للمشاة والحافلات ومواقف مناسبة وربط سلس بوسائل النقل الأخرى قد يقلص جزءا من فائدتها. لذلك يفترض أن يصبح محيط كل محطة جزءا من المشروع، وليس مجرد فضاء تستقر فيه بناية جديدة.
كما أن الكلفة الحالية تستحق قراءة دقيقة. فالقيمة التي رست بها الصفقتان تجاوزت التقدير الأولي الذي كان في حدود 400 مليون درهم، ما يجعل احترام الجودة والآجال وتتبع التنفيذ عناصر أساسية لضمان أن تتحول الاستثمارات إلى خدمة ملموسة للمواطن.
الدار البيضاء لا تحتاج فقط إلى مزيد من الطرق، لأن توسيع الطرق وحده لا يستطيع ملاحقة نمو السيارات إلى ما لا نهاية. المدينة تحتاج إلى أن يصبح النقل الجماعي السريع والمنتظم خيارا منافسا فعليا للسيارة الخاصة.
وهذا هو الرهان الحقيقي للـRER: أن يجعل القطار جزءا من الحياة اليومية للبيضاوي، وليس مجرد وسيلة للسفر خارج المدينة.
فإذا نجحت المحطات التسع في ربط الأحياء ومناطق العمل والجامعات والمطار والأقطاب الاقتصادية ضمن شبكة متكاملة، فإن 470 مليون درهم لن تكون مجرد كلفة لبناء محطات جديدة، بل خطوة نحو تغيير خريطة التنقل في أكبر تجمع حضري بالمملكة.