حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

مع اقتراب فصل الشتاء، تعود معاناة سكان المناطق الجبلية إلى الواجهة، ليس فقط بسبب قساوة المناخ وانخفاض درجات الحرارة، وإنما أيضاً بفعل الارتفاع المتواصل في كلفة التدفئة وضعف الخدمات الأساسية وغياب البنيات التحتية التي تجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة.

وهي اختلالات أعاد “أسامة” باريك طرحها خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027، يوم الجمعة 30 أكتوبر، واضعاً الحكومة أمام سؤال يتجاوز الأرقام والاعتمادات المالية إلى مدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق الإنصاف بين مختلف مناطق المملكة.

ولعل أكثر ما يكشف حجم هذه المعاناة أن قنطاراً واحداً من حطب التدفئة أصبح يصل إلى 200 درهم قبل حلول فصل الشتاء، وهي كمية، بحسب المعطيات التي قدمها باريك، لا تكفي أسرة واحدة سوى نحو ثلاثة أيام.

وبذلك تتحول التدفئة، التي تعد ضرورة يومية في المناطق الباردة، إلى عبء مالي ثقيل على الأسر محدودة الدخل، التي تجد نفسها مطالبة بتخصيص جزء مهم من ميزانيتها لمواجهة ظروف مناخية لا تملك تغييرها.

وتطرح هذه الوضعية سؤالاً حول حدود تدخل الدولة في حماية القدرة الشرائية، إذ إن مواجهة المضاربة لا ينبغي أن تقتصر على المواد الغذائية، بل يفترض أن تشمل أيضاً المواد الأساسية المرتبطة بظروف العيش، خصوصاً في المناطق التي تفرض طبيعتها المناخية تكاليف إضافية على السكان.

كما أن غياب البعد المناخي عن الاختيارات المالية يثير نقاشاً حول مدى مراعاة الخصوصيات المحلية عند إعداد السياسات العمومية وتوزيع الاستثمارات.

غير أن معاناة سكان الجبال لا تتوقف عند فاتورة الحطب. فالمشكلة، كما أبرزتها المداخلة، ترتبط أيضاً بفجوة واضحة بين ما يؤديه المواطنون من ضرائب وما يحصلون عليه في المقابل من تجهيزات وخدمات.

وفي هذا السياق، استعاد باريك سؤالاً مباشراً باللهجة المغربية حول المساواة الضريبية في ظل غياب الطرق السيارة والسكك الحديدية والتجهيزات الأساسية، وقال في هذا الصدد: “ما يمكنش حنا زيرو تيران، زيرو سكة تران، زيرو أوتوروت، ونخلصو الضريبة بحال بحال”، متسائلاً عن جدوى إخضاع المواطنين للعبء الضريبي نفسه رغم التفاوت الكبير في مستوى استفادتهم من الاستثمار العمومي.

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً عندما تتحول الطرق المتدهورة إلى مصدر نفقات إضافية للأسر، بسبب أعطاب السيارات وتكاليف الإصلاح وصعوبة التنقل.

كما أن ضعف المؤسسات الصحية والتجهيزات الطبية يجعل الحصول على العلاج رحلة مكلفة، خاصة عندما يضطر المواطن إلى تحمل مصاريف النقل الصحي نحو مناطق أخرى، في وقت لا تكفي فيه سيارات الإسعاف وحدها لمعالجة الخصاص إذا لم تتوفر مؤسسات صحية مجهزة لاستقبال المرضى.

وتكشف هذه المعطيات أن العدالة المجالية لا يمكن اختزالها في إطلاق مشاريع متفرقة أو الإعلان عن برامج تنموية، بل تقتضي ضمان الحد الأدنى من الخدمات العمومية، وربط المناطق النائية بشبكات النقل والتجهيزات الصحية والتعليمية، مع مراعاة خصوصياتها الجغرافية والمناخية.

كما أن الإنصاف الضريبي، الذي أثاره باريك، يفتح نقاشاً أوسع حول مسؤولية الدولة في تصحيح الاختلالات الترابية وضمان استفادة متوازنة من الموارد والاستثمارات.

ومن جهة أخرى، تبرز أوضاع الشباب الذين انخرطوا في نظام المقاول الذاتي وجهاً آخر من التحديات المرتبطة بالسياسات العمومية. فقد أشار باريك إلى أن عدداً منهم وجدوا أنفسهم أمام التزامات مالية مرتبطة بالتصريحات الجبائية والتغطية الصحية، بعدما استجابوا لدعوات تشجيع المبادرة الفردية. وهي إشكالية تستدعي تقييماً لمدى ملاءمة المواكبة الإدارية والجبائية مع الإمكانات الحقيقية لهذه الفئة، حتى لا تتحول آليات الإدماج الاقتصادي إلى مصدر جديد للضغط المالي.

أما الفوارق بين أسعار المنتجات الفلاحية في مناطق الإنتاج والأسواق الكبرى، فتقدم مثالاً إضافياً على اختلال سلاسل التسويق. فالتفاح الذي يباع بخمسة دراهم للكيلوغرام في بعض مناطق الإنتاج يصل ثمنه في الدار البيضاء إلى ما بين 15 و20 درهماً، وهو تفاوت يطرح أسئلة حول الوسطاء وتكاليف النقل وآليات التسويق ومدى استفادة المنتجين من القيمة النهائية لمنتجاتهم.

وتكتمل الصورة بما أثاره المتحدث بشأن اختلالات بعض المشاريع المحلية، ولا سيما الطرق، وما يرتبط بها من شبهات فساد وضعف في الإنجاز. فالتنمية لا تقاس بحجم الأموال المرصودة وحده، وإنما بجودة المشاريع ومدى انعكاسها الفعلي على حياة السكان، وهو ما يجعل المراقبة والمحاسبة شرطين أساسيين لحماية المال العام.

وبين غلاء حطب التدفئة وارتفاع كلفة التنقل والعلاج، وضعف فرص التنمية الاقتصادية، يجد سكان المناطق الجبلية أنفسهم أمام أعباء متراكمة لا تعكسها دائماً المؤشرات المالية العامة. لذلك فإن امتحان مشروع مالية 2027 لا يتعلق فقط بحجم الميزانية والاستثمارات المعلنة، بل بمدى قدرتها على الوصول إلى المواطن الذي يعيش بعيداً عن مراكز القرار والاستثمار.

فالدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بحجم الدعم المخصص للفئات الهشة، وإنما أيضاً بقدرتها على ضمان شروط العيش الكريم في مختلف المجالات الترابية. وإذا كان المواطن في المناطق الجبلية يؤدي الضرائب نفسها، فمن حقه أن يحصل على نصيب عادل من الطرق والصحة والنقل والخدمات الأساسية، وألا تتحول جغرافية الإقامة إلى كلفة إضافية يدفعها طوال حياته.