حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

لم يعد النقاش حول إحداث الشركات الجهوية مقتصراً على طبيعة هذه المؤسسات أو طريقة اشتغالها، بل تحول إلى مواجهة سياسية واقتصادية بشأن حدود تدخل الدولة في السوق، وعلاقتها بالمبادرة الحرة والقطاع الخاص.

وفي خضم هذا الجدل، اختار فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، الرد على الانتقادات البرلمانية بتأكيد أن توجه الحكومة لا يحمل أي خلفية إيديولوجية، ولا يستهدف العودة إلى نماذج اقتصادية سابقة، وإنما يروم تنظيم بعض الأنشطة وضمان توفير المواد والخدمات للمغاربة بوفرة وبأثمنة معقولة.

وخلال اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، الجمعة 30 أكتوبر، دافع لقجع عن اختيارات الحكومة الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، بعد نقاش برلماني امتد لنحو 18 ساعة، معتبراً أن تعدد الآراء والانتقادات يندرج ضمن الدور الطبيعي للمؤسسة التشريعية.

وأكد استعداده لمواصلة النقاش حول مختلف مقتضيات المشروع، والاستجابة للمقترحات التي من شأنها تحسين النصوص القانونية، مشدداً على أن الهدف هو الوصول إلى أفضل الصيغ الممكنة.

ولم يقتصر رد الوزير على الجوانب التقنية والمالية، بل امتد إلى طبيعة النقاش السياسي الذي رافق مشروع الشركات الجهوية، خصوصاً بعد الانتقادات التي وجهها فريق التجمع الوطني للأحرار، حين شبّه هذا التوجه بنظامي «الكولخوزات» و«السوفخوزات» اللذين عرفهما الاتحاد السوفياتي بعد الثورة البلشفية سنة 1917.

وفي مواجهة هذا الطرح، اعتبر لقجع أن استحضار تلك المرحلة التاريخية لا يساعد على مناقشة الإشكالات الاقتصادية الحالية، قائلاً إن الحكومة لا تتبنى أي توجه شيوعي، وإن النقاش الإيديولوجي ينبغي أن يتم في إطاره الخاص، بعيداً عن تقييم مشاريع تستهدف تنظيم السوق.

وشدد الوزير على أن إحداث الشركات الجهوية لا يعني دخول الدولة إلى السوق لإقصاء الفاعلين الاقتصاديين الموجودين، أو التدخل في أنشطة التجار والفلاحين، بل يتعلق بوضع آليات جماعية لتنظيم بعض الأنشطة وضمان وصول المنتجات والخدمات إلى المواطنين بأسعار معقولة.

وأكد أن الحكومة تتوفر على تصور في هذا المجال، وهي مستعدة لعرضه على الفرق البرلمانية والوزراء المعنيين ومناقشته، مع إمكانية إدخال التعديلات الضرورية متى ظهرت اختلالات أو بدائل أكثر ملاءمة.

وفي معرض دفاعه عن التوجه الحكومي، رفض لقجع اعتبار تنظيم السوق موقفاً معادياً لليبرالية أو للمبادرة الفردية، مستشهداً بالإجراءات الضريبية التي شملت الشركات الخاصة العاملة في توزيع المواد البترولية، والتي قال إنها تستند إلى مقتضيات قانون الإطار.

كما ربط هذا التوجه بضرورة ضمان المنافسة والشفافية، والتصدي للممارسات التي تقوم على استغلال المعلومات المؤسساتية أو اللجوء إلى أساليب خارج القانون للحصول على امتيازات داخل السوق.

ومن بين الإشارات التي تستحق الانتباه في مداخلة الوزير، حديثه عن مشروع قانون إطار يتضمن تغييراً عميقاً في طريقة تنظيم بعض الأنشطة الاقتصادية، من خلال اعتماد دفاتر التحملات عوض نظام الرخص.

ويستهدف هذا التوجه، وفق توضيحاته، فتح المجال أمام المستثمرين لممارسة أنشطتهم وفق قواعد وشروط واضحة، بما يسمح بتوسيع المبادرة الاقتصادية وتوفير إطار أكثر شفافية للولوج إلى الأسواق.

وفي هذا السياق، جدد لقجع التأكيد أن الحكومة ليست ضد الليبرالية ولا المبادرة الفردية، مستعملاً عبارة مباشرة في رده على الانتقادات: «ما عندنا لا إيديولوجيا ولا شيوعية»، في إشارة إلى أن الخلاف، من وجهة نظره، ينبغي أن ينصب على طبيعة الآليات المقترحة ونتائجها، وليس على تصنيفات إيديولوجية تستحضر تجارب اقتصادية من سياقات تاريخية مختلفة.

ولتعزيز موقفه، استحضر الوزير التجربة الأمريكية، باعتبار الولايات المتحدة من البلدان التي مهدت لاقتصاد السوق، مشيراً إلى أن الدولة هناك لا تتخلى عن دورها التنظيمي، بل تعتمد أشكالاً متعددة من التقنين والتدخل لحماية السوق، بما في ذلك الإجراءات المرتبطة بالحماية الجمركية.

كما أشار إلى مبادرات على مستوى بعض الولايات، ومن بينها نيويورك، التي قررت خلال شهر يوليوز إحداث محلات عمومية لبيع المواد الأساسية.

وبذلك حاول لقجع التأكيد أن تدخل المؤسسات العمومية لا يتعارض بالضرورة مع اقتصاد السوق، وأن وجود قواعد تنظيمية وآليات للتدخل يمكن أن يشكل جزءاً من حماية المنافسة وضمان مصالح المستهلكين، دون أن يعني ذلك إضعاف المقاولات الخاصة أو الحد من حرية الاستثمار.

وفي الجانب الاجتماعي، دعا الوزير إلى تحويل النقاش البرلماني إلى مقترحات عملية تستجيب لانشغالات المواطنين، خصوصاً ما يتعلق بتخفيض الأسعار وتحسين أوضاع الأرامل والمعاشات.

كما شدد على أهمية ضمان استفادة المغاربة من الحماية الاجتماعية، والتأكد من وصول الأموال التي تخصصها الدولة إلى مستحقيها، باعتبارها أموالاً عمومية تستوجب حسن التدبير والتتبع والمراقبة.

وتكتسب هذه النقاشات أهميتها بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتوجهات مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يضع القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية وتحفيز الاستثمار ضمن رهاناته.

فالمطلوب ليس فقط إحداث مؤسسات جديدة أو تغيير أساليب الترخيص، بل إثبات قدرة هذه الاختيارات على معالجة اختلالات السوق، وتحسين شروط التموين والتسويق، وضمان أسعار أكثر إنصافاً للمستهلكين.

وبين الدفاع الحكومي عن الشركات الجهوية ومخاوف بعض الفرق البرلمانية من انعكاساتها على المبادرة الخاصة، يبقى نجاح هذا التوجه مرتبطاً بوضوح الاختصاصات، وشفافية التدبير، وتكافؤ الفرص بين الفاعلين، وعدم تحول المؤسسات الجديدة إلى منافس يتمتع بامتيازات غير متاحة للمقاولات الأخرى.

وهكذا، فإن جوهر النقاش الذي أثاره لقجع لا يتعلق بالاختيار بين الليبرالية وتدخل الدولة، بقدر ما يتعلق بتحديد قواعد العلاقة بينهما.

فالمواطن ينتظر نتائج ملموسة في الأسعار وجودة الخدمات وتوفر المواد الأساسية، فيما يحتاج المستثمر إلى سوق واضحة ومستقرة تضمن له المنافسة العادلة. وبين هذين الرهانين ستتحدد القيمة العملية للاختيارات التي تدافع عنها الحكومة في مشروع مالية 2027.