حجم الخط + -
1 دقيقة للقراءة

لم تعد الصفقات العمومية مجرد آلية لإنجاز المشاريع وتوفير الخدمات، بل أصبحت، وفق التوجهات التي أعلنتها الحكومة الجديدة، إحدى الأدوات التي يمكن توظيفها لدعم الإنتاج الوطني وتوسيع فرص المقاولات المغربية، شريطة تحصينها من الاحتكار والتواطؤ وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إليها.

وفي هذا السياق، أعلنت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، خلال عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان اليوم الاثنين، عزم حكومتها تشديد مراقبة الصفقات العمومية والتحقيق في حالات التواطؤ المحتملة في طلبات العروض، بالتوازي مع محاربة الممارسات الاحتكارية والوساطة الانتهازية، بتنسيق مع مجلس المنافسة.

ومن أبرز التدابير المعلنة التوجه نحو إلزام أصحاب الصفقات العمومية بتخصيص 30 في المائة من قيمة صفقاتهم للمقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة.

ويعكس هذا الإجراء توجها يروم توسيع استفادة هذه الفئة من المقاولات من المشاريع الممولة من المال العام، وتحويل الإنفاق العمومي إلى رافعة للإنتاج الوطني والإدماج الاقتصادي، بدل أن تظل فرص الاستفادة منه محصورة في عدد محدود من الفاعلين.

لكن بلوغ هذا الهدف يقتضي أكثر من إعلان نسبة مخصصة للمقاولات الصغرى والمتوسطة؛ إذ يرتبط نجاحه بوضوح شروط التطبيق، وضمان شفافية إسناد الصفقات، وتكافؤ فرص المشاركة، فضلا عن مراقبة مدى احترام الالتزامات المرتبطة بهذه النسبة.

كما تبرز أهمية مواكبة المقاولات المستفيدة حتى تتمكن من الوفاء بمتطلبات المشاريع العمومية، وتعزيز قدرتها على المنافسة والاستمرار.

وفي المقابل، تضع الحكومة محاربة التواطؤ والاحتكار ضمن المسار نفسه، من خلال إحداث آليات لفحص الصفقات والتحقيق في الحالات التي قد تمس بنزاهة طلبات العروض.

وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة لأن أي اختلال في المنافسة لا ينعكس فقط على المقاولات المتنافسة، بل قد يؤثر أيضا في كلفة المشاريع وجودة الخدمات وحسن استخدام الاعتمادات العمومية.

وترتبط هذه المقاربة كذلك بالتعهدات المعلنة بشأن تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات. فحماية المال العام تقتضي الجمع بين قواعد واضحة لإسناد الصفقات، وآليات فعالة للكشف عن التجاوزات، ومحاسبة المسؤولين عن المخالفات، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبذلك، يصبح الرهان الحقيقي هو ضمان أن تحقق الصفقات العمومية غايتين متلازمتين: إنجاز المشاريع وفق شروط المنافسة والشفافية، وتوسيع مساهمة المقاولات المغربية في النشاط الاقتصادي وخلق القيمة وفرص الشغل. أما قياس نجاح هذا التوجه، فسيظل مرتبطا بمدى انتقال الالتزامات المعلنة إلى قواعد قابلة للتنفيذ، ونتائج ملموسة في توزيع الفرص وحماية المال العام.