لم تترك نتائج المشاورات الحكومية التي قادتها فاطمة الزهراء المنصوري مجالاً للالتباس بشأن موقع التجمع الوطني للأحرار في المرحلة السياسية المقبلة؛ فبعد الإعلان الرسمي عن أغلبية رباعية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، وجد الحزب الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها نفسه خارج التحالف الجديد، متجهاً إلى المعارضة داخل البرلمان، حيث سيكون مطالباً بتحويل تجربته الحكومية ووزنه الانتخابي إلى دور رقابي واقتراحي مختلف عن دوره السابق في تدبير الشأن العام.
ويمنح هذا التحول تصريحات محمد شوكي، رئيس التجمع الوطني للأحرار، دلالتها السياسية المباشرة. ففي تصريح نشرته صحيفة «هسبريس» اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر، أعلن أن حزبه يستعد لممارسة معارضة «قوية ومسؤولة وبناءة»، مستندة إلى الدستور وإلى ما راكمه الحزب من تجربة خلال مشاركته في الحكومة. ويأتي هذا الموقف بعد اتضاح خريطة الأغلبية الجديدة، ليشكل أول إعلان واضح عن طبيعة الدور الذي يعتزم الحزب الاضطلاع به في المرحلة المقبلة.
وتستمد هذه الوضعية أهميتها من نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي، والتي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً. ورغم حلول «الأحرار» في المرتبة الثانية، فإن موقعه البرلماني لم يتحول إلى مشاركة في الأغلبية الجديدة، التي اختارت أربعة أحزاب أخرى لتشكيل التحالف الداعم للحكومة المرتقبة.
وبحسب نتائج المشاورات المعلنة، تجمع الأغلبية الجديدة 207 مقاعد من أصل 395، متجاوزة عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً. وقد أكدت الأحزاب الأربعة تقاربها في الرؤية الإصلاحية، وربطت تحالفها بأولويات تشمل تحسين شروط العيش الكريم، وتقوية الحريات والحقوق، وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي، وتعزيز القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني. وبذلك، انتقلت المشاورات من مرحلة البحث عن مكونات الأغلبية إلى مرحلة إعداد البرنامج الحكومي واقتراح أسماء الوزراء، وهي ملفات تظل منفصلة عن الحسم في هوية الأحزاب المشاركة.
وفي مواجهة هذه المعادلة، يراهن شوكي على الخبرة التي راكمها حزبه خلال السنوات الماضية، معتبراً أن توليه مسؤوليات حكومية سابقة يمنحه معرفة بالملفات الاقتصادية والاجتماعية وبإكراهات التدبير العمومي.
كما استند إلى تركيبة الفريق البرلماني للحزب وما يضمه، وفق تصريحه، من كفاءات متمرسة في العمل التشريعي والمؤسساتي، قادرة على مناقشة السياسات العمومية وتقييم نتائجها ومساءلة الحكومة بشأن اختياراتها.
غير أن التحدي الذي يواجه التجمع الوطني للأحرار لا يقتصر على إعلان الاستعداد للمعارضة، بل يتمثل في طبيعة الممارسة التي سيعتمدها داخل البرلمان. فبعد المشاركة في القرار التنفيذي، سيكون الحزب مطالباً بتوضيح موقفه من البرنامج الحكومي المرتقب، ومناقشة التدابير الاقتصادية والاجتماعية التي ستقترحها الأغلبية، وتقديم بدائل عملية بشأن الملفات التي يرى أن الحكومة الجديدة لا تعالجها بالشكل المناسب.
وفي هذا السياق، شدد شوكي على أن حزبه لا يعتزم اعتماد الرفض لمجرد الرفض، بل يراهن على النقد المدعوم بالحجج والاقتراحات. ويحمل هذا التصور تعهداً سياسياً يمكن قياسه من خلال الأداء البرلماني الفعلي، سواء عبر الأسئلة الموجهة إلى أعضاء الحكومة، أو مناقشة مشاريع القوانين، أو تقديم التعديلات والمقترحات، أو تقييم أثر السياسات العمومية على المواطنين.
كما أكد رئيس التجمع الوطني للأحرار أن القضايا الوطنية الكبرى ستظل، بحسب تعبيره، فوق منطق الأغلبية والمعارضة، وأن انتقال الحزب إلى موقع جديد لن يغير التزامه بالمصلحة العامة. ويعكس هذا الموقف رغبة في الفصل بين الخلافات المرتبطة بالتدبير الحكومي والملفات التي يعتبر الحزب أنها تستوجب استمرار الانخراط الوطني، بصرف النظر عن موقعه داخل المؤسسات.
في المقابل، ستواجه الأغلبية التي تقودها المنصوري اختباراً موازياً يتمثل في ترجمة التوافق الحزبي إلى برنامج حكومي قابل للتنفيذ، وتحديد المسؤوليات داخل الحكومة، ووضع أولويات واضحة في مجالات التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية والعدالة المجالية. ومن شأن هذه الملفات أن تشكل مادة أساسية للتفاعل بين الحكومة والمعارضة خلال الولاية المقبلة.
وبين أغلبية حسمت مكوناتها ومعارضة تستعد لإعادة ترتيب أدواتها، تدخل الحياة البرلمانية مرحلة جديدة من التوازنات. وبالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار، لا يتعلق الأمر فقط بتغيير موقعه من تدبير الحكومة إلى مراقبتها، بل بامتحان سياسي لقدرته على توظيف تجربته السابقة في مساءلة القرارات الجديدة وتقديم بدائل مقنعة. وستظل فعالية هذا التموضع رهينة بما سيقدمه الحزب داخل البرلمان من عمل ملموس، وليس فقط بما أعلنه رئيسه من مواقف.



