مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود إلى الواجهة واحد من أخطر السلوكيات التي تهدد نزاهة العملية الديمقراطية وتفرغ الانتخابات من معناها الحقيقي، ويتعلق الأمر بشراء أصوات الناخبين واستغلال حاجتهم الاجتماعية والمادية للتأثير في إرادتهم واختياراتهم داخل صناديق الاقتراع.
إن الصوت الانتخابي ليس سلعة تباع وتشترى، ولا ورقة يمكن مقايضتها بمبلغ مالي أو خدمة أو وعد بمصلحة شخصية، بل هو أمانة ومسؤولية وحق دستوري يفترض أن يمارسه المواطن بحرية ووعي. ومن يبيع صوته مقابل المال لا يتنازل فقط عن اختياره ليوم واحد، بل يساهم في منح المسؤولية لمن قد لا يستحقها، ويضعف قدرة المؤسسات المنتخبة على خدمة الصالح العام.
فالمرشح الذي يبدأ علاقته بالمواطن بشراء صوته لا يمكن انتظار الكثير منه بعد وصوله إلى المسؤولية. ومن ينفق الأموال للوصول إلى موقع انتخابي قد ينظر إلى الانتخابات باعتبارها استثمارا يريد استرجاع تكلفته، بدل اعتبارها تكليفا لخدمة المواطنين والدفاع عن مصالحهم. وهنا تكمن خطورة المال الانتخابي، لأنه لا يفسد لحظة التصويت فقط، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى تدبير الشأن العام طوال مدة الانتداب.
ولا تقل خطورة الوسطاء عن خطورة من يمول شراء الأصوات. فكل من يتورط في تنظيم عمليات حشد المواطنين وتوجيههم للتصويت مقابل المال، أو توزيع المبالغ والهدايا والمنافع، أو استغلال الفقر والحاجة للتأثير على إرادة الناخبين، يساهم في ضرب مبدأ تكافؤ الفرص وفي تشويه المنافسة السياسية.
ومن هنا تبرز ضرورة الحزم في مواجهة كل الشبهات المرتبطة بشراء الأصوات، مع تفعيل القانون وضمان التحقيق في الوقائع المثبتة وترتيب المسؤوليات وفق المساطر القانونية، دون انتقائية أو تمييز. فمحاربة الفساد الانتخابي لا ينبغي أن تكون مجرد شعار موسمي يرفع خلال الحملات، بل مسؤولية مؤسساتية ومجتمعية مستمرة.
كما أن المسؤولية لا تقع على السلطات والأحزاب والمرشحين وحدهم، بل يتحمل المواطن جزءا أساسيا منها. قبول المال مقابل الصوت يجعل الناخب جزءا من دائرة الفساد التي قد يشتكي لاحقا من نتائجها. بضعة دراهم قد تنتهي في ساعات، لكن الاختيار الانتخابي يمكن أن يؤثر لسنوات في المدرسة والمستشفى والطريق وفرص الشغل والاستثمار والخدمات العمومية ومستقبل المدينة أو الجماعة أو الجهة.
المغرب يحتاج إلى انتخابات تكون فيها الكلمة للبرامج والكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية، وليس لمن يملك أكبر قدرة على الإنفاق أو حشد الوسطاء. كما تحتاج الأحزاب السياسية إلى تحمل مسؤوليتها في اختيار مرشحين يتمتعون بالمصداقية، وقطع الطريق على كل من يعتبر الانتخابات وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية أو الاقتصادية.
المطلوب كذلك نشر ثقافة انتخابية جديدة، خصوصا بين الشباب، تقوم على أن التصويت حق ومسؤولية وليس مناسبة للحصول على مقابل مادي. المواطن الذي يرفض بيع صوته يحمي كرامته قبل أي شيء آخر، ويساهم في حماية مؤسسات بلاده من وصول أشخاص يستندون إلى المال بدل ثقة الناخبين.
المعركة ضد شراء الأصوات تبدأ من المواطن وتنتهي بالتطبيق الصارم والعادل للقانون. فلا ديمقراطية حقيقية بصوت يباع، ولا مؤسسات قوية بتمثيلية تصنعها الأموال. ومن يحب وطنه عليه أن يختار بحرية، وأن يصوت لمن يراه جديرا بالثقة والمسؤولية، وأن يرفض كل محاولة لتحويل صوته إلى سلعة في سوق انتخابية.
الانتخابات ليست موسما للبيع والشراء، بل لحظة للمحاسبة والاختيار وصناعة المستقبل. وبيع الصوت هو تفريط في الأمانة وإضرار بالمصلحة العامة، لأن الوطن لا يبنى بالأصوات المشتراة، وإنما بإرادة مواطنين أحرار يضعون مصلحة المغرب فوق كل اعتبار.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



