حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تحتل جهة الدار البيضاء–سطات موقعاً محورياً في الخريطة الاقتصادية للمملكة، باعتبارها أكبر تجمع اقتصادي وصناعي ومالي بالمغرب، وفضاءً ترابياً يجمع بين الصناعة والخدمات والمال والفلاحة واللوجستيك والسياحة، ما يجعلها إحدى أبرز الوجهات الوطنية لاستقطاب الاستثمار وخلق المقاولات وفرص الشغل.
وتتكون الجهة إدارياً من عمالتي الدار البيضاء والمحمدية وسبعة أقاليم هي الجديدة والنواصر ومديونة وبنسليمان وبرشيد وسطات وسيدي بنور، فيما تضم مدينة الدار البيضاء ثماني عمالات مقاطعات. ويمنح هذا الامتداد الترابي للجهة تنوعاً اقتصادياً كبيراً، تتكامل داخله المجالات الحضرية والصناعية الكبرى مع الأقطاب الفلاحية والساحلية واللوجستيكية.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية الوزن الاستثنائي للجهة، إذ تساهم بنحو 32.2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، وبـ47.1 في المائة من القيمة المضافة للقطاع الصناعي، وبـ28.4 في المائة من القيمة المضافة للقطاع الثالثي، فضلاً عن تمركز نسبة كبيرة من النشاط المالي الوطني داخل مجالها الترابي.
وتضم الجهة حوالي 20.9 في المائة من سكان المغرب، مع معدل تمدن يناهز 73.3 في المائة، فيما تمثل الفئة الموجودة في سن النشاط أكثر من 63 في المائة من ساكنتها. كما تحتضن نحو 21 في المائة من المقاولات الوطنية وتستحوذ على حصة مهمة من عمليات إحداث المقاولات بالمملكة، ما يعكس حجم سوقها وقدرتها على إنتاج واستقطاب النشاط الاقتصادي.
وتظل الدار البيضاء القلب الاقتصادي لهذه المنظومة، بفضل تركيز المؤسسات الصناعية والمالية والخدماتية، ودورها المحوري في التجارة والاستيراد والتصدير واللوجستيك والسياحة وترحيل الخدمات والاقتصاد الرقمي، إلى جانب احتضانها بورصة الدار البيضاء وCasablanca Finance City ومقار عدد كبير من المؤسسات البنكية وشركات التأمين والمجموعات الاقتصادية الوطنية والدولية.
وتستمد الجهة قوتها كذلك من تنوع نسيجها الصناعي، الذي يشمل الطيران والسيارات والصناعات الغذائية والدوائية والكيميائية وشبه الكيميائية والنسيج والملابس والبلاستيك والصناعات المعدنية والميكانيكية والكهربائية والإلكترونية، فضلاً عن الأنشطة الجديدة المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعة المستدامة والانتقال الطاقي.
ويبرز قطاع الطيران كأحد النماذج الناجحة لهذا التحول الصناعي، خصوصاً بمنطقة النواصر ومحيط مطار محمد الخامس، حيث تطورت منظومة صناعية متخصصة تضم منطقة Midparc وعدداً من الشركات العالمية والمقاولات العاملة في مختلف حلقات سلسلة صناعة الطيران، مدعومة بمنظومة للتكوين وتأهيل الموارد البشرية.
كما تتمتع صناعة السيارات بحضور تاريخي داخل الجهة، قبل أن تتوسع تدريجياً لتشمل شبكة من المصنعين والمجهزين والمناولين. وتفتح التحولات العالمية التي يعرفها القطاع اليوم آفاقاً إضافية للاستثمار في مكونات السيارات والأنظمة الكهربائية والإلكترونية والبطاريات والتنقل الكهربائي.
ويشكل ترحيل الخدمات والاقتصاد الرقمي بدورهما أحد محركات النمو، مستفيدين من توفر الموارد البشرية المؤهلة والبنيات المخصصة للمقاولات، وعلى رأسها Casanearshore، إلى جانب توسع منظومة الشركات الناشئة والخدمات الرقمية والتكنولوجية.
وفي المجال اللوجستي، تستفيد الجهة من موقع استراتيجي ومن شبكة مترابطة للطرق السيارة والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والمنصات اللوجستيكية، بما يربط مناطق الإنتاج بالأسواق الداخلية ومنافذ التصدير ويعزز تنافسية المشاريع الصناعية والتجارية.
وتتوفر الدار البيضاء–سطات على عشرات المناطق والمنتزهات الصناعية التي تمنح المستثمرين خيارات متعددة حسب طبيعة المشاريع وحاجياتها العقارية والصناعية واللوجستيكية، مع استمرار تطوير مناطق استقبال جديدة للأنشطة الاقتصادية خارج المركز التقليدي للعاصمة الاقتصادية.
ويمثل الرأسمال البشري أحد أهم عناصر تنافسية الجهة، بالنظر إلى العدد الكبير من الجامعات والمدارس العليا ومؤسسات التعليم الخاص والتكوين المهني، وهو ما يوفر للمقاولات قاعدة واسعة من المهندسين والتقنيين والأطر والكفاءات المتخصصة.
ولا تقتصر فرص الاستثمار على الدار البيضاء، إذ تشكل النواصر قطباً للطيران والصناعة واللوجستيك، والمحمدية مجالاً صناعياً وساحلياً مهماً، بينما تتمتع برشيد وسطات بمؤهلات صناعية وفلاحية ولوجستيكية متنامية، ويشكل محور الجديدة والجرف الأصفر أحد أبرز الأقطاب الصناعية بالمملكة.
أما سيدي بنور فتتميز بثقلها الفلاحي، فيما توفر بنسليمان فرصاً مرتبطة بالسياحة والعقار والخدمات والرياضة والاقتصاد الأخضر، وتستفيد مديونة من موقعها داخل المجال المتروبوليتاني للدار البيضاء ومن قربها من أهم محاور النشاط الاقتصادي.
وفي قلب هذه المنظومة، يضطلع المركز الجهوي للاستثمار الدار البيضاء–سطات بدور أساسي في مواكبة المستثمرين وتسهيل مسار مشاريعهم، من مرحلة الفكرة والبحث عن المعلومات إلى الإجراءات الإدارية وإطلاق الاستثمار وتتبع تنفيذه، إلى جانب توفير البيانات الاقتصادية والترابية التي تساعد على اتخاذ القرار.
وبذلك تقدم الدار البيضاء–سطات نفسها كمنظومة استثمارية متكاملة تجمع داخل مجال واحد السوق والتمويل والصناعة واللوجستيك والكفاءات والبنيات التحتية، بما يجعلها إحدى أهم بوابات الاستثمار بالمغرب ومنصة استراتيجية للمقاولات الراغبة في تطوير أنشطتها على المستوى الوطني والإفريقي والدولي.