تحتل جهة بني ملال–خنيفرة موقعاً استراتيجياً في قلب المملكة، وتتميز بتنوع جغرافي واقتصادي استثنائي يجمع بين السلاسل الجبلية والسهول الفلاحية والمجالات الغابوية والمناطق المعدنية، ما يجعلها من الجهات المغربية التي تتوفر على إمكانات مهمة لبناء اقتصاد جهوي متنوع وقادر على استقطاب الاستثمار وخلق فرص الشغل.
وتمتد الجهة على مساحة تناهز 28 ألفاً و88 كيلومتراً مربعاً، أي ما يقارب 4 في المائة من مساحة التراب الوطني، وتتكون من خمسة أقاليم هي بني ملال وأزيلال والفقيه بن صالح وخريبكة وخنيفرة، وتضم 135 جماعة، من بينها 16 جماعة حضرية و119 جماعة قروية.
ويشكل المجال الجبلي أكثر من 65 في المائة من مساحة الجهة، وهو ما يمنحها خصوصية ترابية واضحة، حيث تتوزع بين جبال الأطلس المتوسط والأطلس الكبير وسهل تادلة ومنطقة الدير وهضبة الفوسفاط بخريبكة. ويخلق هذا التنوع مجالات اقتصادية متكاملة تجمع بين الفلاحة وتربية الماشية والمناجم والغابات والسياحة والصناعة والخدمات.
وتعتبر الموارد المائية واحدة من أبرز الثروات الاستراتيجية لبني ملال–خنيفرة، بالنظر إلى وجود جزء كبير من ترابها ضمن حوض أم الربيع واحتضانها منشآت مائية مهمة. ولهذا ارتبط اسم الجهة تاريخياً بمكانتها كأحد أهم خزانات المياه بالمملكة، إلى جانب دور مواردها في الري وإنتاج الماء الصالح للشرب والطاقة الكهرومائية.
وتتوفر الجهة على 15 سداً وعدد من منظومات تحويل المياه، بطاقة تخزينية مهمة، كما تساهم منشآتها في إنتاج الطاقة الكهرومائية، ما يجعل الماء والطاقة والفلاحة عناصر مترابطة في بنيتها الاقتصادية.
وتشكل الفلاحة أحد أهم أعمدة اقتصاد الجهة، خصوصاً في سهل تادلة ومناطق بني ملال والفقيه بن صالح، حيث ساهم توفر الأراضي الزراعية وشبكات الري والخبرة المتراكمة للفلاحين في تطوير مجموعة واسعة من الزراعات.
وتتنوع المنتجات بين الحبوب والزيتون والحوامض والأشجار المثمرة والخضروات والأعلاف، إلى جانب تربية الأبقار والأغنام وإنتاج الحليب واللحوم، وهو ما يوفر قاعدة مهمة لتطوير الصناعات الغذائية وتثمين المنتجات الفلاحية محلياً بدلاً من الاكتفاء بتسويقها في شكلها الأولي.
ويفتح هذا الرصيد الفلاحي آفاقاً واسعة أمام الاستثمار في وحدات التحويل والتعليب والتخزين والتبريد والتلفيف واللوجستيك الزراعي، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بالاقتصاد في مياه الري والزراعة الذكية واستعمال التقنيات الحديثة والطاقات النظيفة في الإنتاج.
ويشكل مشروع القطب الفلاحي «أكروبول» أحد المكونات الرامية إلى تعزيز تنافسية القطاع، عبر توفير منظومة تجمع بين الإنتاج والتحويل والبحث والابتكار ومراقبة الجودة والخدمات المرتبطة بسلاسل القيمة الفلاحية.
وإلى جانب الفلاحة، تحتل الثروة المعدنية مكانة مركزية في اقتصاد الجهة، خصوصاً بإقليم خريبكة الذي يشكل أحد أبرز الأقطاب الفوسفاطية بالمغرب والعالم، ما يمنح بني ملال–خنيفرة ثقلاً استراتيجياً داخل الصناعة المعدنية الوطنية.
ويتيح هذا النشاط إمكانات تتجاوز استخراج الموارد المعدنية إلى تطوير الصناعات والخدمات المرتبطة بها، والمناولة الصناعية والصيانة والنقل واللوجستيك والتكوين والابتكار، بما يسمح بخلق منظومة اقتصادية أوسع حول النشاط المنجمي.
كما تتوفر الجهة على رصيد غابوي مهم، خصوصاً في خنيفرة وأزيلال والمناطق الجبلية، وهو ما يمنحها مؤهلات إضافية في الاقتصاد الغابوي والمنتجات المجالية والسياحة البيئية، مع ضرورة ضمان استدامة هذه الموارد والمحافظة عليها.
وتشكل السياحة الطبيعية والجبلية أحد أكبر المجالات الواعدة. فمن أوزود إلى بين الويدان وأكلمام أزكزا ومصادر أم الربيع والفضاءات الجبلية والغابوية، تتوفر بني ملال–خنيفرة على رصيد طبيعي قادر على جعلها إحدى الوجهات المرجعية للسياحة الخضراء بالمغرب.
ويمكن لهذا الرصيد أن يشكل قاعدة لتطوير الإيواء السياحي القروي والمنتجعات البيئية والرياضات الجبلية ومسارات المشي والأنشطة المرتبطة بالبحيرات والأنهار والمنتجات المحلية، بما يخلق مصادر دخل إضافية لفائدة سكان المناطق الجبلية والقروية.
وتحظى أزيلال بمكانة خاصة ضمن هذه الخريطة، بفضل شلالات أوزود وبحيرة بين الويدان والجبال والوديان والمواقع الطبيعية، فيما توفر خنيفرة مؤهلات مرتبطة بالأطلس المتوسط والبحيرات والغابات ومنابع أم الربيع.
أما بني ملال فتجمع بين الوظيفة الإدارية والخدماتية والفلاحية وموقعها عند سفوح الأطلس، بينما يمثل الفقيه بن صالح أحد أهم المجالات الزراعية بالجهة، في حين يمنح النشاط المنجمي والصناعي خريبكة وزناً اقتصادياً خاصاً.
وتتمتع الصناعة التقليدية بدورها بإمكانات مهمة، خصوصاً في المجالات الجبلية والقروية التي حافظت على مهارات مرتبطة بالنسيج والزربية والخشب والمنتجات المحلية وغيرها من الحرف، ما يتيح تطويرها وربطها بالسياحة والتجارة الإلكترونية والتصدير.
وتتجه الفرص الاستثمارية كذلك نحو الاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة وتثمين النفايات والنجاعة الطاقية، مستفيدة من الخصائص الطبيعية للجهة ومن الحاجة إلى تطوير نموذج اقتصادي أكثر قدرة على التكيف مع التغير المناخي.
ويشكل الموقع الجغرافي للجهة في وسط المملكة فرصة لتعزيز دورها كحلقة وصل بين عدد من الأقطاب الاقتصادية الوطنية، غير أن الاستفادة الكاملة من هذا الموقع تظل مرتبطة بمواصلة تطوير شبكات النقل والطرق والربط اللوجستيكي.
ويكتسي تشجيع المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة وريادة الأعمال أهمية خاصة، بالنظر إلى قدرتها على تحويل الموارد المحلية إلى أنشطة منتجة للقيمة، سواء في الفلاحة أو السياحة أو الصناعة التقليدية أو الخدمات أو الاقتصاد الرقمي.
وتملك بني ملال–خنيفرة بذلك مقومات تؤهلها لبناء نموذج اقتصادي متنوع يقوم على التكامل بين سهل تادلة الفلاحي، وخريبكة المعدنية والصناعية، وأزيلال وخنيفرة الجبليتين والسياحيتين، وبني ملال كقطب إداري وخدماتي واستثماري.
ويبقى التحدي الأساسي هو تحويل هذه الثروات الطبيعية والمائية والفلاحية والمعدنية إلى قيمة مضافة أكبر داخل الجهة، عبر تشجيع التصنيع والتحويل والابتكار والاستثمار الخاص، بما يسمح بخلق فرص شغل مستدامة وتحسين تنافسية الاقتصاد الجهوي.
حجم الخط
+
-
3 دقائق للقراءة



