تحتل جهة مراكش–آسفي موقعاً متميزاً ضمن الخريطة الاقتصادية والترابية للمملكة، بفضل تنوع مؤهلاتها الطبيعية والبشرية والاقتصادية، وقدرتها على الجمع بين قطب سياحي عالمي تقوده مدينة مراكش، وقاعدة فلاحية واسعة، ونسيج صناعي ومعدني مهم، وواجهة أطلسية تتصدرها آسفي والصويرة، إلى جانب مجالات قروية وجبلية تزخر بإمكانات كبيرة للاستثمار.
وتمتد الجهة على مساحة تناهز 41 ألفاً و404 كيلومترات مربعة، أي ما يقارب 6 في المائة من مساحة التراب الوطني، ويقطنها أكثر من 4.5 ملايين نسمة. وتتكون إدارياً من عمالة مراكش وسبعة أقاليم هي الحوز وشيشاوة وقلعة السراغنة والرحامنة وآسفي والصويرة واليوسفية، ما يمنحها تنوعاً مجالياً واقتصادياً لافتاً.
ويبدأ هذا التنوع من الحاضرة المراكشية ومحيطها السياحي والعمراني، ويمتد نحو جبال الأطلس ومجالات الحوز، ثم السهول الفلاحية لقلعة السراغنة والرحامنة، وصولاً إلى الساحل الأطلسي عبر آسفي والصويرة، مروراً بالمجالات المعدنية والصناعية في اليوسفية وآسفي.
وتعد مراكش القلب السياحي والخدماتي للجهة وواحدة من أشهر الوجهات السياحية على المستوى الدولي، بفضل رصيدها التاريخي والمعماري والثقافي، إلى جانب بنيتها الفندقية وقدرتها على احتضان المؤتمرات والتظاهرات الرياضية والثقافية والاقتصادية الكبرى.
ولا يقتصر الدور الاقتصادي لمراكش على السياحة، إذ تطورت بالمدينة ومحيطها أنشطة التجارة والخدمات والعقار والصحة والتعليم الخاص والصناعات الثقافية والإبداعية والاقتصاد الرقمي، إلى جانب توسع منظومة المقاولات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع المرتبطة بالترفيه والمطاعم والصناعة التقليدية.
وتشكل الصناعة التقليدية بدورها أحد المكونات الأساسية لهوية الجهة واقتصادها، حيث ارتبط اسم مراكش والصويرة وآسفي بعدد من الحرف والمنتجات التقليدية، من النسيج والجلد والخشب إلى الخزف والحلي والمنتجات الفنية، ما يمنح هذا القطاع إمكانات مهمة للتطوير والتصدير وربطه بالسياحة والاقتصاد الإبداعي.
وفي المقابل، تمثل آسفي أحد أهم الأقطاب الصناعية والمينائية بالجهة، مستفيدة من موقعها على الساحل الأطلسي ومن قاعدة صناعية ترتبط بالصناعات الكيميائية وتحويل الفوسفاط والطاقة والصناعات الغذائية والأنشطة المينائية، فضلاً عن رصيدها التاريخي في الصيد البحري وصناعة الخزف.
وتمنح الأنشطة الصناعية والمينائية في آسفي الجهة بعداً استراتيجياً يتجاوز النشاط السياحي، مع إمكانية تطوير منظومات اقتصادية مرتبطة بالصناعة واللوجستيك والتصدير والاقتصاد البحري وتثمين الموارد المحلية.
وتبرز اليوسفية بدورها كإقليم ذي أهمية معدنية وصناعية، بينما توفر الرحامنة إمكانات متنامية في الفلاحة والصناعة والطاقات المتجددة والمشاريع المبتكرة، مستفيدة من موقعها بين مراكش وعدد من المحاور الاقتصادية الوطنية.
أما قلعة السراغنة فتشكل أحد المجالات الفلاحية المهمة، حيث تلعب الزراعات وتربية الماشية والأنشطة المرتبطة بتحويل المنتجات الفلاحية دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلي، بما يفتح المجال أمام الاستثمار في الصناعات الغذائية والتخزين والتبريد والتعبئة والتسويق.
وتحتل الفلاحة مكانة محورية في اقتصاد مراكش–آسفي، سواء من حيث المساحات المستغلة أو ارتباطها بالتشغيل والنشاط الاقتصادي في العالم القروي. وتتنوع الزراعات بين الحبوب والأشجار المثمرة والزيتون والخضروات والأعلاف، إلى جانب تربية الماشية ومجموعة من المنتجات المحلية القابلة للتثمين ضمن سلاسل إنتاج ذات قيمة مضافة أعلى.
ويشكل الحوز مجالاً يجمع بين الفلاحة والسياحة الجبلية والقروية والمؤهلات الطبيعية، بفضل قربه من مراكش وامتداده داخل الأطلس الكبير، ما يوفر فرصاً لتطوير السياحة المستدامة والمنتجات المحلية والاقتصاد الاجتماعي والخدمات المرتبطة بالأنشطة الجبلية.
كما تتميز شيشاوة بموقعها الاستراتيجي بين مراكش والصويرة وأكادير، وبمؤهلاتها الفلاحية والطبيعية والطاقية، فيما تشكل الصويرة قطباً سياحياً وثقافياً وساحلياً ذا إشعاع دولي، يجمع بين السياحة والثقافة والصيد البحري والصناعة التقليدية والاقتصاد الإبداعي.
ويجعل هذا التنوع من مراكش–آسفي جهة لا تعتمد على نشاط اقتصادي واحد، بل على منظومة تتداخل فيها السياحة والفلاحة والصناعة والمناجم والصيد البحري والصناعة التقليدية والتجارة والخدمات.
ومن شأن التكامل بين هذه القطاعات أن يفتح آفاقاً إضافية أمام الاستثمار، خصوصاً في الصناعات الغذائية وتثمين المنتجات المحلية والاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة والسياحة المستدامة واللوجستيك والاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية والإبداعية.
وتملك الجهة بذلك فرصة لترسيخ موقعها كقطب اقتصادي متعدد الوظائف، لا يعتمد فقط على الجاذبية السياحية العالمية لمراكش، وإنما يستثمر كذلك في القوة الصناعية لآسفي، والموارد المعدنية لليوسفية، والمؤهلات الفلاحية للرحامنة وقلعة السراغنة، والرصيد السياحي والثقافي للصويرة، والإمكانات الطبيعية للحوز وشيشاوة.
ويظل الرهان الأساسي هو تحويل هذا التنوع إلى سلاسل قيمة مترابطة تسمح بخلق مزيد من فرص الشغل وجذب الاستثمارات وتوسيع قاعدة الاقتصاد الجهوي، بما يعزز موقع مراكش–آسفي كإحدى الجهات الواعدة في التنمية الاقتصادية بالمملكة.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



