حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملموساً في تطوير مطاراته وبنياته الطرقية وقدرته على استقبال أعداد متزايدة من المسافرين، وهي دينامية تمنح السياحة الوطنية قاعدة قوية للانتقال إلى مرحلة جديدة. وفي مدن مثل ورزازات وزاكورة والرشيدية، لم يعد التحدي مرتبطاً فقط بالبنية التحتية، بقدر ما أصبح مرتبطاً بكيفية تحويل الإمكانات الموجودة إلى منتوج سياحي قادر على إقناع الزائر بالقدوم والإقامة والإنفاق ثم العودة مرة أخرى.
فهذه المناطق لا تعاني فقراً في المؤهلات. العكس تماماً. نحن أمام واحدة من أغنى المساحات السياحية في المغرب، حيث تجتمع السينما والقصبات والواحات والجبال والصحراء والثقافة المحلية داخل مجال جغرافي واحد. المطلوب اليوم هو الانتقال من امتلاك هذه الثروة إلى حسن تسويقها وربط عناصرها في تجربة متكاملة يستطيع السائح الدولي فهمها وحجزها بسهولة.
ورزازات تملك نقطة قوة استثنائية يصعب على أي مدينة منافستها فيها: السينما. اسم المدينة حاضر منذ عقود في صناعة الأفلام العالمية، ومحيطها الطبيعي والمعماري تحول إلى ديكور لأعمال شاهدها الملايين عبر العالم. هذه المكانة ينبغي أن تتحول من تاريخ مهني لصناعة السينما إلى صناعة سياحية قائمة بذاتها.
المطلوب أن تصبح ورزازات وجهة لعشاق السينما، لا مجرد موقع يأتي إليه المنتجون والمخرجون لإنجاز أعمالهم ثم يغادرون.
يمكن بناء مسار سينمائي دائم يربط الاستوديوهات بمواقع التصوير والقصبات والمناطق التي ظهرت في أعمال عالمية، على أن يقدم للزائر بطريقة حديثة وتفاعلية. يستطيع السائح أن يقف في موقع تصوير ويشاهد عبر هاتفه أو شاشة رقمية المشهد الذي صُور في المكان نفسه، ويتعرف على أسرار صناعة الفيلم والديكور والملابس والمؤثرات.
ويمكن الذهاب أبعد من الزيارة التقليدية عبر خلق تجارب تجعل الزائر جزءاً من عالم السينما. لماذا لا يدخل السائح إلى موقع تصوير، يرتدي زياً سينمائياً، ويشارك في تصوير مشهد قصير يحتفظ به كتذكار؟ ولماذا لا يتم إنشاء فضاءات دائمة لعرض أشهر الديكورات والأزياء والصور والوثائق المرتبطة بتاريخ الإنتاجات العالمية التي مرت من المنطقة؟
إن متحفاً سينمائياً تفاعلياً بمواصفات دولية، إلى جانب مهرجانات وملتقيات وورشات للتصوير والإخراج والمؤثرات، يمكن أن يمنح ورزازات سبباً جديداً للزيارة طوال السنة.
فالمدينة التي ساعدت العالم على صناعة أفلامه تستطيع اليوم أن تجعل العالم يأتي لاكتشاف كيفية صناعة تلك الأفلام.
أما زاكورة، فلديها قصة مختلفة تماماً، وقوتها تحديداً في اختلافها. وادي درعة والواحات والقصور والصحراء ومحاميد الغزلان والسماء الصافية ليست مجرد مواقع جميلة، وإنما مواد أولية لبناء تجربة سياحية ذات قيمة عالية.
السائح الذي يبحث اليوم عن الصحراء لا يريد بالضرورة أن يراها من نافذة سيارة ثم يغادر. يريد أن يعيشها.
يمكن لزاكورة أن تقدم برامج تمتد لعدة أيام تجمع بين الإقامة وسط الواحات، والرحلات الصحراوية، والمشي والدراجات، والتعرف على القصور والعمارة المحلية، والطبخ التقليدي، والموسيقى والتراث، وصولاً إلى مراقبة النجوم والتصوير الفلكي.
فالسماء نفسها يمكن أن تصبح منتوجاً سياحياً.
هناك سوق دولية متنامية لسياحة النجوم والمناطق البعيدة عن التلوث الضوئي، والصحراء المغربية تمتلك شروطاً طبيعية ممتازة لهذا النوع من التجارب. ويمكن تطوير مخيمات وفضاءات مخصصة للرصد الفلكي بالتعاون مع متخصصين، بما يمنح المنطقة نشاطاً سياحياً مختلفاً وقادراً على جذب فئات ذات قدرة إنفاق مرتفعة.
والأمر نفسه بالنسبة للرشيدية، التي ينبغي النظر إليها باعتبارها بوابة لتافيلالت، لا مجرد نقطة عبور نحو مرزوكة. وادي زيز وأرفود والريصاني والقصور والواحات والكثبان تشكل مجتمعة مساراً يستطيع أن يتحول إلى علامة سياحية دولية.
يمكن أن يبدأ الزائر رحلته من الرشيدية، وينتقل عبر وادي زيز نحو أرفود والريصاني ثم مرزوكة، في برنامج يجمع الطبيعة والتاريخ والثقافة والمطبخ المحلي والصحراء.
الفكرة الأساسية هي ألا نبيع مكاناً واحداً، بل رحلة كاملة.
وهنا توجد فرصة ربما تكون الأكبر: ربط ورزازات وزاكورة والرشيدية داخل منتوج سياحي واحد يحمل هوية قوية.
يمكن للمغرب أن يطلق مساراً دولياً تحت اسم «طريق السينما والواحات والصحراء»، يبدأ من ورزازات وينتقل عبر مناطق وادي درعة وزاكورة والمواقع الصحراوية، ويرتبط بتافيلالت وأرفود والريصاني ومرزوكة والرشيدية، مع إمكانية تصميم الرحلة في الاتجاه المعاكس.
عندها يصبح أمام وكالات الأسفار الدولية منتوج واضح يمكن بيعه لمدة سبعة أو عشرة أيام: سينما، قصبات، واحات، ثقافة، نجوم وصحراء.
وهذا التحول مهم لأن القيمة الحقيقية للسياحة لا تقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يصلون إلى الوجهة، بل بعدد الليالي التي يقضونها فيها.
سائح يزور المدينة ساعتين ويلتقط صورة ثم يغادر يختلف اقتصادياً عن سائح يقيم ثلاث ليالٍ. الثاني يحتاج إلى فندق ومطعم ونقل ومرشد وأنشطة، ويشتري منتجات محلية ويزور مواقع متعددة، فتتوزع قيمة رحلته على عدد أكبر من المهنيين والسكان.
الهدف إذن يجب أن يكون رفع مدة الإقامة ومتوسط إنفاق الزائر، وليس فقط رفع عدد الوافدين.
ولتحقيق ذلك، يجب أن تصبح الرحلة سهلة منذ اللحظة التي يفكر فيها السائح في المغرب. لا ينبغي أن يصل إلى المنطقة ثم يبدأ البحث عن الفندق والمرشد والسيارة والنشاط الصحراوي. يجب أن يجد كل ذلك أمامه قبل السفر في عروض واضحة يمكن حجزها إلكترونياً.
تذكرة وإقامة ونقل وتجربة سينمائية في ورزازات، أو برنامج متكامل للصحراء والواحات في زاكورة، أو مسار تافيلالت ومرزوكة انطلاقاً من الرشيدية.
عندما يصبح المنتوج سهلاً في الحجز يصبح أسهل في البيع.
وهنا يمكن بناء شراكات قوية بين الفاعلين المحليين وشركات الطيران ووكالات الأسفار والفنادق ومنظمي الرحلات في الأسواق الأوروبية وغيرها، مع حملات موجهة لكل فئة بدلاً من تسويق المدن الثلاث بالطريقة نفسها.
ورزازات يمكن أن تخاطب عشاق السينما والتصوير والثقافة. زاكورة يمكن أن تخاطب الباحثين عن المغامرة والهدوء والواحات والنجوم. الرشيدية وتافيلالت يمكن أن تستهدفا عشاق الصحراء والتراث والرحلات الطبيعية.
وهناك أداة أصبحت اليوم شديدة التأثير: صناع المحتوى المتخصصون في السفر.
دعوة مصور عالمي أو صانع محتوى يتابعه ملايين الأشخاص لقضاء أسبوع بين ورزازات وزاكورة ومرزوكة قد تكون أكثر تأثيراً في بعض الأسواق من حملة إعلانية تقليدية، شرط أن تقدم له تجربة حقيقية تستحق التصوير والمشاركة.
لكن الترويج مهما كان قوياً لا يستطيع تعويض ضعف التجربة على الأرض. ولهذا يجب أن ترافق عملية التسويق عناية مستمرة بجودة الإيواء والمطاعم والنقل السياحي والتشوير والنظافة والمعلومات الرقمية وتكوين المرشدين وإتقان اللغات.
كما يجب إعطاء فرصة أكبر للمقاولة المحلية. السياحة الناجحة ليست فقط فندقاً كبيراً، بل شبكة من المشاريع الصغيرة: دار ضيافة، مطعم عائلي، مرشد، تعاونية، شركة نقل، متجر للصناعة التقليدية، منظم رحلات، مصور، ومشروع شبابي يقدم تجربة جديدة.
كلما بقيت أموال السائح داخل المنطقة مدة أطول، أصبحت السياحة أكثر قدرة على صناعة التنمية.
كما تستطيع هذه الجهات الاستثمار بصورة أكبر في السياحة الرياضية وسياحة المغامرة. سباقات الصحراء، الدراجات الجبلية، المشي الطويل، الرحلات الاستكشافية والتصوير والأنشطة المرتبطة بالطبيعة تستطيع ملء فترات من السنة خارج المواسم التقليدية، وتمنح الفنادق والمهنيين نشاطاً أكثر انتظاماً.
المغرب يمتلك اليوم عناصر نجاح يصعب جمعها في وجهة واحدة: بنية تحتية تتقدم، مطارات، طرق، استقرار، خبرة سياحية، تراث عالمي، صحراء، جبال، واحات، ومدينة لها اسم راسخ في خريطة السينما الدولية.
المطلوب ليس البحث عن معجزة سياحية جديدة، وإنما جمع ما نملكه بالفعل داخل رؤية واحدة.
ورزازات لا ينبغي أن تبقى فقط المكان الذي يأتي إليه العالم لتصوير السينما، بل المكان الذي يأتي إليه جمهور السينما أيضاً. وزاكورة يمكن أن تتحول من محطة في طريق الصحراء إلى عاصمة لتجربة الواحات والنجوم والمغامرة. والرشيدية تستطيع أن تصبح البوابة السياحية الكبرى لتافيلالت ومرزوكة.
وعندما ترتبط هذه الوجهات داخل مسار واحد، فإننا لن نكون أمام ثلاث مدن تتنافس كل واحدة منها منفردة على جذب الزائر، بل أمام إقليم سياحي متكامل قادر على تقديم أسبوع كامل من التجارب المختلفة.
المطار يؤدي مهمته عندما يوصل المسافر. بعد ذلك تبدأ مهمة المدينة.
والنجاح الحقيقي لن يكون فقط في زيادة عدد الطائرات التي تهبط، بل في أن يغادر السائح بعد أسبوع وهو مقتنع بأن الأيام التي قضاها لم تكن كافية لاكتشاف كل شيء.
عندها فقط نكون قد انتقلنا من سياحة العبور إلى سياحة الإقامة، ومن امتلاك المؤهلات إلى تحويلها إلى فرص عمل واستثمارات ومداخيل، ومن مدن جميلة يمر بها الزائر إلى وجهات يسافر إليها العالم خصيصاً.
حجم الخط
+
-
5 دقائق للقراءة



