في كل مرة تعود فيها قضية الهجرة إلى واجهة النقاش الأوروبي، يبرز المغرب باعتباره شريكاً محورياً في تدبير هذا الملف المعقد، لكن المملكة ترفض، بشكل واضح وثابت، أي محاولة لاختزال دورها في “حارس حدود” للقارة الأوروبية.
هذا الموقف، الذي عبر عنه وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ليس مجرد رد دبلوماسي على ظرفية معينة، بل يعكس عقيدة سياسية راسخة تقوم على أن التعاون بين الدول لا يمكن أن يبنى على منطق الإملاءات أو توزيع الأدوار بشكل أحادي، وإنما على أساس الاحترام المتبادل وتقاسم المسؤوليات.
لقد أثبت المغرب، خلال السنوات الأخيرة، أنه شريك موثوق في محاربة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية، حيث نجحت أجهزته الأمنية في تفكيك مئات الشبكات الإجرامية وإنقاذ آلاف المهاجرين من مخاطر البحر، وهي جهود تحظى بإشادة العديد من الشركاء الدوليين. غير أن هذه الجهود لا تعني، بأي حال من الأحوال، أن يتحول المغرب إلى درع أمني دائم يحمي حدود أوروبا على حساب أولوياته الوطنية.
فالهجرة ليست مشكلة مغربية، ولا أوروبية فقط، بل هي ظاهرة عالمية ترتبط بالتفاوت الاقتصادي، والنزاعات المسلحة، والتغيرات المناخية، وانعدام فرص التنمية في العديد من المناطق. ومن ثم، فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر الحلول الأمنية وحدها، بل تتطلب رؤية شاملة تقوم على الاستثمار في التنمية، وتعزيز الاستقرار، وخلق فرص حقيقية للشباب في بلدانهم.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المغرب أداء مسؤولياته الإقليمية والدولية بكل جدية، فإنه يتمسك أيضاً بحقه المشروع في الدفاع عن سيادته ورفض أي خطاب يحاول تحميله أعباء لا تقع على عاتقه وحده. فالشراكة الحقيقية لا تقوم على الاستفادة من جهود طرف واحد، بل على تقاسم الالتزامات والمصالح بشكل متوازن.
إن الرسالة المغربية اليوم واضحة: التعاون مع أوروبا خيار استراتيجي، لكنه تعاون بين شركاء متساوين، وليس بين طرف يأمر وآخر ينفذ. فالمغرب دولة ذات سيادة، تمتلك قرارها المستقل، وتحدد أولوياتها وفق مصالحها الوطنية، مع استمرار انفتاحها على كل المبادرات التي تخدم الأمن والاستقرار والتنمية المشتركة.
وفي عالم تتشابك فيه التحديات العابرة للحدود، تبقى الدبلوماسية المغربية نموذجاً في الجمع بين الحزم والانفتاح، وبين الدفاع عن السيادة الوطنية والالتزام بالمسؤولية الدولية، وهي معادلة جعلت المملكة شريكاً يحظى بالاحترام، لا مجرد منفذ لسياسات الأخريين.



