حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

بقلم: مروان هاشِمي

في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتقاطع فيه رهانات النمو مع متطلبات العدالة الاجتماعية، لم يعد دور مؤسسات التنظيم مجرد وظيفة تقنية، بل أصبح ركيزة أساسية لضمان التوازن وبناء الثقة داخل المجتمع. وفي المغرب، تبرز هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS) كإحدى هذه المؤسسات التي نجحت في ترسيخ موقعها كفاعل استراتيجي في ضبط قطاع حيوي وحساس.

وعلى امتداد عقد من الزمن، بصم عبد الرحيم الشافعي على مسار لافت في قيادة هذه الهيئة، من خلال رؤية تقوم على تحديث أدوات التنظيم وتعزيز نجاعته، بما يخدم المواطن والاقتصاد على حد سواء.

لم يعد قطاع التأمين مجرد آلية لتعويض الخسائر، بل تحول إلى دعامة أساسية لتمويل الاقتصاد وضمان استقراره. وفي هذا السياق، ساهمت الدينامية التي قادتها الهيئة في إرساء قواعد سوق أكثر شفافية وتوازناً، حيث أصبح التنظيم أكثر مواكبة للتغيرات وأكثر قدرة على استباق المخاطر. وهو ما انعكس إيجاباً على مستوى الثقة في القطاع، باعتباره أحد أعمدة المنظومة المالية الوطنية.

غير أن الأثر الأعمق لهذه القيادة يتجلى في مواكبة ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يمثل أحد أكبر التحولات الاجتماعية في المغرب المعاصر. ففي هذا المشروع، لا يقتصر دور الهيئة على المراقبة، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان استدامة أنظمة التأمين والتقاعد، في مواجهة تحديات ديمغرافية واقتصادية متزايدة. إنها مقاربة تؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط بنموها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها.

ومن جهة أخرى، أدركت الهيئة مبكراً أن مستقبل القطاع يمر عبر بوابة الابتكار. لذلك، جعلت من الرقمنة وتبني التكنولوجيات الحديثة خياراً استراتيجياً، ليس فقط لتحسين الخدمات، بل أيضاً لتعزيز حماية المؤمن لهم ورفع تنافسية السوق. هذا التوجه يعكس وعياً عميقاً بأن التنظيم الفعّال لا يقف عند حدود الضبط، بل يواكب التحول ويؤطره.

ولم تتوقف هذه الدينامية عند الحدود الوطنية، بل امتدت إلى العمق الإفريقي، حيث أصبحت التجربة المغربية في مجال التأمين والحماية الاجتماعية محط اهتمام متزايد. ومن خلال انخراطها في تبادل الخبرات مع الهيئات النظيرة، تساهم الهيئة في تعزيز إشعاع المغرب كقطب إقليمي في هذا المجال، بما ينسجم مع توجهاته الاستراتيجية نحو القارة.

في المحصلة، يكشف هذا المسار أن نجاح السياسات العمومية لا يتحقق فقط عبر الرؤى الكبرى، بل عبر مؤسسات قوية قادرة على تنزيلها بكفاءة واستمرارية. ومن خلال قيادته، يقدم عبد الرحيم الشافعي نموذجاً في الحكامة المسؤولة، حيث يلتقي الانضباط التنظيمي مع الطموح الإصلاحي.

إنها تجربة تؤكد أن بناء اقتصاد متين ومجتمع متوازن يبدأ دائماً من حيث لا يلتفت الكثيرون: من قوة المؤسسات وجودة من يقودها.