دخل حزب الاستقلال سباق الانتخابات التشريعية بسقف مرتفع من الوعود الاجتماعية والاقتصادية، واضعا أمام الناخب المغربي حزمة من المقترحات التي تمس مباشرة الحياة اليومية للأسر والشباب والطبقة الوسطى، من دعم المقبلين على الزواج، إلى الأجور والمعاشات والسكن والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. ومن أكثر المقترحات إثارة للنقاش تقديم دعم مالي يصل إلى 5000 درهم للمقبلين على الزواج، في محاولة لتشجيع الشباب على تأسيس أسر جديدة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن وتراجع قدرة فئات واسعة على تحمل مصاريف الزواج. لكن برنامج الاستقلال لا يتوقف عند منحة الزواج، إذ يطرح الحزب إجراءات أخرى موجهة للأسرة، من بينها تطوير المواكبة الأسرية، والتوسع في الحضانات الاجتماعية والتعليم الأولي، وتعزيز آليات الدعم الاجتماعي، إلى جانب إجراءات مرتبطة بتخفيف بعض الأعباء المالية عن الأسر. كما يضع الحزب تحسين دخل المواطنين ضمن أولوياته من خلال الرفع التدريجي للأجور والمعاشات وتقوية الطبقة الوسطى، بالتوازي مع إصلاح منظومة التقاعد وتحسين القدرة الشرائية. وفي مجال السكن، يراهن البرنامج على تسهيل ولوج المواطنين، وخصوصا الشباب والأسر، إلى السكن الأول، باعتبار أن أزمة السكن والكراء أصبحت من أهم العوامل التي تؤخر الاستقلال المادي للشباب وتأسيس الأسر. وفي الصحة، يطرح الحزب تعزيز العرض الصحي وتطوير خدمات المستعجلات وزيادة عدد الأطباء المتخصصين، بينما يمنح التعليم والتكوين مكانة أساسية من خلال توسيع التعليم الأولي وتأهيل الشباب للمهن الجديدة والرقمية. كما تمتد المقترحات إلى تعزيز الأمن الاستراتيجي للمملكة في المواد الحيوية، من خلال تقوية مخزون المحروقات والحبوب والأدوية ومواجهة تحديات الأمن المائي والغذائي والطاقي. اجتماع كل هذه الوعود في برنامج انتخابي واحد يجعل السؤال عن التمويل مشروعا وضروريا، لأن جودة البرنامج لا تقاس فقط بعدد الإجراءات الاجتماعية التي يقترحها، وإنما أيضا بمدى قدرة المالية العمومية والاقتصاد الوطني على تحمل كلفتها واستمرارها طوال الولاية الحكومية. ويمكن لمنحة الزواج وحدها أن تقدم مثالا واضحا على أهمية الحساب. فإذا افترضنا، لأغراض التحليل وليس كتوقع واقعي، وجود عشرة ملايين شخص راغب في الزواج، فإننا نتحدث نظريا عن نحو خمسة ملايين حالة زواج. وإذا كانت الدولة ستمنح 5000 درهم عن كل زواج، فإن الكلفة النظرية تصل إلى 25 مليار درهم، أما إذا كان الدعم بقيمة 5000 درهم لكل شخص مستفيد، فإن الفاتورة الافتراضية ترتفع إلى 50 مليار درهم. وبطبيعة الحال، المغرب لا يبلغ عدد سكانه 50 مليون نسمة، بل أظهر الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن عدد السكان القانونيين يناهز 36.8 مليون نسمة، كما أن فرضية عشرة ملايين مستفيد وضعت فقط لإظهار حجم الفاتورة عندما تتحول الوعود الفردية الصغيرة إلى برامج وطنية واسعة. لذلك يبقى تحديد شروط منحة الزواج أمرا حاسما: هل ستمنح للجميع أم للفئات محدودة الدخل؟ هل سيستفيد منها الزوجان أم ستصرف مرة واحدة عن كل عقد زواج؟ هل ستخصص للزواج الأول؟ وما العدد السنوي المتوقع للمستفيدين؟ ومن أي بند ستتم تعبئة الاعتمادات المالية؟ والأسئلة نفسها تنطبق على بقية الوعود، لأن رفع الأجور والمعاشات ودعم السكن وتوسيع الخدمات الصحية والاجتماعية وتمويل برامج الأسرة كلها إجراءات تحمل كلفة ينبغي أن تكون واضحة أمام الناخب. ولا يعني طرح هذه الأسئلة التقليل من أهمية البرنامج أو وصف كل إجراء اجتماعي بالمزايدة، فالأحزاب مطالبة أصلا بتقديم حلول جريئة لمشاكل المواطنين، ومن حق حزب الاستقلال رفع سقف طموحاته، مثلما أن من حق منافسيه تقديم بدائل أخرى. لكن الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى سباق لمعرفة الحزب الذي يقدم أكبر رقم أو أكبر عدد من الوعود. فالشاب المغربي لا يحتاج فقط إلى 5000 درهم يوم الزواج، وإنما إلى وظيفة قبل الزواج، ودخل قار بعده، وسكن يستطيع أداء تكلفته، ومدرسة جيدة لأطفاله، ومستشفى يجد فيه العلاج، وقدرة شرائية تحمي أسرته من تقلب الأسعار. وهنا يكمن الفرق بين دعم الزواج ودعم القدرة على الزواج والاستمرار فيه. وإذا استطاع حزب الاستقلال ربط وعوده ببرنامج تمويل واضح وأرقام دقيقة وجدولة زمنية قابلة للمحاسبة، فإن الأمر سيكون أمام عرض سياسي واجتماعي يمكن تقييمه على أساس النتائج. أما إذا بقيت الأرقام الكبيرة دون كشف كلفتها ومصادر تمويلها وشروط الاستفادة منها، فإن السؤال سيظل قائما طوال الحملة: هل نحن أمام مشروع اجتماعي قابل للتنفيذ، أم أمام ارتفاع جديد في بورصة الوعود الانتخابية؟ ففي انتخابات 2026، لن يكون التحدي الحقيقي أمام الأحزاب هو من يعد المغاربة بأكثر، وإنما من يستطيع أن يشرح لهم بوضوح كيف سينفذ ما وعد به، وكم سيكلف، ومن أين سيأتي بالمال، ومتى سيشعر المواطن فعليا بالنتيجة.
حجم الخط
+
-
3 دقائق للقراءة



