يدخل المغرب سنة 2026 بإيقاع استثماري غير مسبوق، بعدما بلغ حجم الاستثمار العمومي المبرمج حوالي 380 مليار درهم، في غلاف مالي ضخم يضع البنيات التحتية والربط بين الجهات وتحسين جاذبية المجالات الترابية في قلب التحولات الاقتصادية التي تعرفها المملكة.
ولا تكمن أهمية هذا الرقم في حجمه فقط، بل في طبيعة الأوراش التي تستفيد منها مختلف مناطق المغرب، من الطرق والطرق السيارة والسكك الحديدية إلى الموانئ والمطارات والماء والتجهيزات الاجتماعية، بما يعكس انتقال الاستثمار العمومي تدريجيا من منطق المشاريع المنفصلة إلى بناء شبكة مترابطة من البنيات القادرة على تحريك الاقتصاد.
وفي الجهة الشرقية، يشكل الطريق السيار جرسيف–الناظور بطول يقارب 104 كيلومترات أحد المشاريع الاستراتيجية التي ستعزز الربط بالمركب المينائي الناظور غرب المتوسط، إلى جانب مشاريع طرقية أخرى تستهدف تحسين حركة الأشخاص والبضائع وفتح المنطقة على فرص صناعية ولوجستيكية جديدة.
ويبرز ميناء الناظور غرب المتوسط بدوره ضمن أكبر الأوراش، باستثمار يناهز 11.6 مليار درهم، فضلا عن منطقة صناعية ولوجستيكية واسعة، ما يجعل المشروع مرشحا للعب دور يتجاوز الوظيفة المينائية نحو تشكيل قطب اقتصادي جديد بشرق المملكة.
وفي أقصى الجنوب، يتقدم مشروع ميناء الداخلة الأطلسي باستثمار يناهز 13.6 مليار درهم، حاملا معه رهانا استراتيجيا على تعزيز موقع الأقاليم الجنوبية وربطها بمسارات التجارة والاستثمار نحو العمق الإفريقي.
أما السكك الحديدية، فتعيش واحدة من أكبر مراحل توسعها مع تمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش، ضمن برنامج استثماري ضخم يراد منه إعادة تشكيل حركة التنقل بين أهم الأقطاب الاقتصادية والسياحية للمملكة وتقليص زمن السفر بينها.
المطارات بدورها توجد في قلب هذه الدينامية، مع برنامج استثماري بعشرات المليارات من الدراهم لرفع الطاقة الاستيعابية وتحديث المنشآت ومواكبة النمو المتسارع لحركة المسافرين، إلى جانب الاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى التي تنتظر المغرب.
ولا تنفصل هذه الأوراش عن التحولات التي تعرفها المدن الكبرى، حيث تتوسع مشاريع النقل الحضري وتأهيل الطرق والمداخل والبنيات الأساسية، بالتوازي مع استثمارات مرتبطة بالماء والصحة والتعليم والتجهيزات العمومية.
الصورة التي تتشكل اليوم تتجاوز التحضير لكأس العالم 2030. فالمغرب يعيد بناء جزء مهم من شبكته اللوجستيكية والاقتصادية، عبر ربط الموانئ بالمناطق الصناعية، والطرق بالمدن، والسكك الحديدية بالمطارات، والجهات بمراكز الإنتاج والاستثمار.
لكن ضخ 380 مليار درهم لا يمثل وحده معيار النجاح. فالرهان الحقيقي يكمن في سرعة تنفيذ المشاريع واحترام آجالها وجودة إنجازها وقدرتها على خلق فرص الشغل وجذب الاستثمار الخاص وتحسين الحياة اليومية للمواطن.
فالطريق لا يصنع التنمية بمجرد تعبيده، والمطار لا يخلق الثروة بمجرد توسيعه، والميناء لا يغير اقتصاد الجهة بمجرد افتتاحه. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه المنشآت إلى محركات للاستثمار والمقاولة والتشغيل وربط المجالات التي ظلت بعيدة عن دينامية النمو.
وبين الناظور والداخلة، ومن طنجة إلى مراكش، مرورا بفاس والرباط والدار البيضاء وباقي جهات المملكة، تبدو السنوات المقبلة مرشحة لإحداث تحول واسع في الخريطة الاقتصادية والترابية للمغرب.
إنها معركة استثمار بحجم 380 مليار درهم، لكن نتيجتها لن تقاس فقط بعدد الكيلومترات والمنشآت الجديدة، بل بقدرة هذه الأموال على صناعة الثروة داخل الجهات وتقليص الفوارق بينها وتحويل البنية التحتية إلى تنمية حقيقية.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



