حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

كشف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول الوضع في الصحراء، المؤرخ في فاتح أكتوبر الجاري، أن المسار السياسي للقضية دخل خلال سنة 2026 مرحلة جديدة، بعدما انتقلت المفاوضات التي يقودها مبعوثه الشخصي، ستافان دي ميستورا، من مرحلة عرض مواقف الأطراف إلى بحث ترتيبات عملية للمرحلة الانتقالية وإعداد مشروع اتفاق إطار يمكن أن يشكل أساساً لمفاوضات أكثر تفصيلاً حول نموذج للحكم الذاتي.

وأفاد تقرير غوتيريش، المقدم إلى مجلس الأمن، بأن اعتماد القرار رقم 2797 سنة 2025 أعطى دفعة جديدة للمسار السياسي، ومكّن دي ميستورا، بتنسيق مع الولايات المتحدة، من إعادة إطلاق مفاوضات مباشرة بين المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، بعد توقف دام نحو سبع سنوات.

وشهدت بداية سنة 2026 ثلاث جولات رفيعة المستوى، شارك فيها المغرب والجزائر وموريتانيا على مستوى وزراء الخارجية، فيما مثلت جبهة البوليساريو شخصية مكلفة بملف السياسة الخارجية. وجرت المباحثات برئاسة مشتركة بين دي ميستورا والممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، وبمشاركة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس ومسؤولين أمريكيين آخرين.

وخلال الجولة الأولى، التي احتضنتها واشنطن يومي 18 و19 يناير، اتخذ مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمباحثات، حيث قدم المغرب نسخة موسعة من مقترحه الذي سبق أن قدمه سنة 2007، وأجاب عن ملاحظات وأسئلة المشاركين والرئاستين المشتركتين. كما أبدى استعداده للعمل مع جبهة البوليساريو من أجل التفاوض حول حل مقبول من الطرفين وتنفيذه بصورة مشتركة، بينما قدمت الجبهة أفكارها ومقترحاتها الخاصة.

وفي الجولة الثانية، التي عقدت في مدريد يومي 8 و9 فبراير، انتقلت المباحثات إلى مستوى أكثر تفصيلاً، إذ جرى بحث إمكانية إنشاء «مجلس انتقالي» يتولى تدبير عدد من المسارات الانتقالية، ويوفر إطاراً للتفاوض بشأن تفاصيل حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.

كما تناولت النقاشات دور الأطراف الدولية وضمانات تنفيذ أي اتفاق محتمل، إلى جانب تقاسم الموارد والعفو والمصالحة ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والتدابير الأمنية والأنظمة الانتخابية.

وفي هذا السياق، شددت موريتانيا على الحاجة إلى تشكيل لجنة تتولى، على أساس توافقي، توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للمنطقة المتنازع عليها. وبطلب من المشاركين، عمل فريقا الأمم المتحدة والولايات المتحدة على إعداد مشروع أولي لاتفاق إطار بشأن مرحلة انتقالية محتملة، إلى جانب مقترحات توفيقية بشأن عدد من القضايا، تمهيداً للجولة الثالثة التي انعقدت في واشنطن العاصمة يومي 23 و24 فبراير 2026.

وخلال الجولة الثالثة، تعمقت المناقشات بشأن المجلس الانتقالي والعناصر الأخرى التي أعدها فريقا الأمم المتحدة والولايات المتحدة، قبل فتح نقاش مباشر حول مسألتي السيادة وتقرير المصير. وسجل تقرير غوتيريش أن التباينات الكبيرة بشأن هذين الملفين دفعت الرئاستين المشتركتين إلى بحث التفاصيل بشكل منفصل مع كل طرف، بهدف استكشاف حلول ممكنة.

وفي مختلف مراحل المفاوضات، شدد دي ميستورا على أن أي تصور للحكم الذاتي ينبغي أن يستجيب لأعلى المعايير الدولية، وأن الانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي يحتاج إلى ضمانات دولية قوية، فضلاً عن عملية تشاور ذات مغزى مع الشعب الصحراوي، بما يتسق مع مبدأ تقرير المصير.

ولم تتوقف الاتصالات بعد الجولات الثلاث، إذ التقى دي ميستورا ممثلي البوليساريو في بروكسيل يوم 23 مارس، ومسؤولين جزائريين في الأول من أبريل، والمسؤولين المغاربة في نيويورك يومي 21 و23 أبريل، قبل أن يتوجه إلى تندوف يومي 7 و8 يونيو للقاء قيادة البوليساريو، بمن فيها أمينها العام إبراهيم غالي.

كما التقى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في 15 يونيو بالجزائر، والرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني في 18 يونيو بنواكشوط. وأكدت الأطراف خلال هذه الاتصالات التزامها بالمسار السياسي، مع إقرارها بأن غياب الثقة، خصوصاً بين المغرب والبوليساريو، يظل عقبة رئيسية أمام التوصل إلى حل قابل للتنفيذ.

وعقب هذه المشاورات، عاد دي ميستورا، بتنسيق مع الولايات المتحدة، إلى بحث مجالات التوافق النسبي، وأعد مشروعاً منقحاً لاتفاق إطار خاص بمرحلة انتقالية. ويشير تقرير غوتيريش إلى أن اعتماد هذا الاتفاق يمكن أن يوفر أساساً للتفاوض بشأن نموذج مفصل للحكم الذاتي، إلى جانب مسار ذي مغزى للتشاور مع سكان المنطقة.

وبالتوازي مع المسار التفاوضي، سجل التقرير استمرار تغير مواقف عدد من الدول. فقد عبرت السويد وسويسرا عن دعمهما لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً ذا مصداقية للمفاوضات، فيما علقت مالي وهندوراس اعترافهما بما تسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، وعلقت بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية بها في فبراير 2026.

كما جددت مدغشقر وكندا واليابان دعمها لمقترح الحكم الذاتي، بينما حدّث الاتحاد الأوروبي موقفه الجماعي في يناير 2026 ليؤكد أن المفاوضات ينبغي أن تتخذ من المقترح المغربي أساساً لها.

غير أن الحراك السياسي يتزامن مع استمرار توتر ميداني منخفض الحدة. فقد أشار تقرير الأمين العام إلى تقارير عن إطلاق جبهة البوليساريو النار باتجاه وحدات الجيش المغربي بالقرب من الجدار الرملي، مقابل تقارير عن ضربات بطائرات مسيرة تابعة للجيش المغربي شرق الجدار.

كما سجل حادث إطلاق نار في السمارة يوم 5 ماي أسفر عن إصابة مدني وأضرار مادية، إضافة إلى حوادث أخرى مرتبطة بضربات بطائرات مسيرة في منطقة ميجك، بينها حادث في 31 دجنبر 2025 وضربتان خلال يونيو.

وعلى مستوى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، بلغ قوام مكونها العسكري، إلى غاية 15 غشت 2026، 155 عنصراً، بينهم 27 امرأة. وبين فاتح أكتوبر 2025 و15 غشت 2026، نفذت البعثة دوريات برية غطت نحو 296 ألفاً و164 كيلومتراً، كما قامت بـ8076 زيارة إلى مقرات ووحدات ونقاط مراقبة تابعة للجيش المغربي غرب الجدار، ونفذت 152 رحلة استطلاع جوي. وأفاد الجيش المغربي البعثة بتسجيل 129 حادث إطلاق نار غرب الجدار خلال الفترة نفسها.

كما ظل خطر الألغام ومخلفات الحرب قائماً، إذ نفذت فرق دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام 1330 مهمة بين فاتح أكتوبر 2025 و30 شتنبر 2026، فيما جرى تقييم 12 ألفاً و401 كيلومتر من الطرق شرق الجدار وتطهير نحو مليون و794 ألف متر مربع. وفي الجانب المالي، بلغت المتأخرات من المساهمات المقررة لحساب بعثة المينورسو، إلى غاية 20 غشت 2026، نحو 80.3 مليون دولار، ما أثر على تمويل عدد من أنشطة البعثة.

وفي خلاصة تقريره، دعا غوتيريش أطراف النزاع إلى اغتنام فرصة استئناف الاتصالات المباشرة والانخراط في مفاوضات منسقة وبحسن نية تحت رعاية مبعوثه الشخصي، مع استكشاف إمكانية إقامة حكم ذاتي حقيقي لسكان الصحراء، باعتباره، وفق ما ورد في قرار مجلس الأمن 2797، خياراً يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق. غير أن التقرير يربط هذا المسار بضرورة إجراء تشاور ذي مغزى مع سكان الصحراء، بما يضمن لهم حرية الاختيار الطوعي، لتظل قدرة الأطراف على تجاوز خلافاتها بشأن السيادة وتقرير المصير الاختبار الأبرز أمام تحويل هذا الحراك الدبلوماسي إلى اتفاق سياسي نهائي.