حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم يعد الرهان على تنويع الإنتاج البحري مرتبطاً فقط باستغلال المصايد التقليدية، بل أصبح يتجه نحو اختبار إمكانات تربية الأسماك في بيئات بحرية أكثر انفتاحاً وتعقيداً.

وفي هذا السياق، تدخل سيدي إفني مرحلة جديدة مع إطلاق مشروع نموذجي لتربية الأسماك في عرض البحر، باستثمار إجمالي يبلغ 50 مليون درهم، في مبادرة توصف بأنها الأولى من نوعها على مستوى الواجهة الأطلسية للمغرب والقارة الإفريقية.

ويضع هذا المشروع، الذي أشرف على إطلاقه أمس الجمعة 30 أكتوبر أحمد المهدي المزواري، الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري، البحث العلمي أمام اختبار ميداني يرتبط بمدى قدرة التقنيات المعتمدة على التكيف مع الظروف الطبيعية الصعبة في أعالي البحار.
كما يعكس توجهاً نحو تحويل نتائج الدراسات العلمية إلى نشاط إنتاجي قابل للتطوير، مع إشراك القطاع الخاص في مرحلة الاستغلال والتسويق.

وقد عهد إلى المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بإنجاز هذه المنشأة، التي لا تقتصر مهمتها على إنتاج الأسماك، بل تستهدف بالأساس تقييم الجدوى التقنية والاقتصادية لتربية الأحياء المائية في الوسط البحري المفتوح، حيث تتداخل التحديات المناخية مع قوة التيارات والظروف الهيدروديناميكية.

ويكتسب هذا الاختيار أهميته من نتائج الخريطة الوطنية للمناطق الملائمة لتربية الأحياء المائية، التي حددت إمكانات إنتاجية مستهدفة تفوق 300 ألف طن على مساحة تصل إلى 24 ألف هكتار، من بينها 8 آلاف هكتار مخصصة لتربية الأسماك، يوجد 75 في المائة منها في عرض البحر على الواجهة الأطلسية.

وتكشف هذه المعطيات عن حجم الرهان الذي يحمله المشروع، خصوصاً أن تطوير هذا النوع من التربية يظل مرتبطاً بتجاوز عوائق علمية وتكنولوجية لا يمكن حسمها بالدراسات النظرية وحدها. لذلك أُسند إلى المعهد دور اختبار الحلول التقنية وتراكم الخبرة اللازمة لتوسيع هذا النشاط مستقبلاً.

وتوزعت كلفة الإنجاز البالغة 50 مليون درهم بين مساهمة الوزارة المنتدبة المكلفة بالصيد البحري بـ40 مليون درهم، في إطار الدعم القطاعي الناتج عن اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وأربعة ملايين درهم من الموارد الذاتية للمعهد، فيما ينتظر توفير الستة ملايين درهم المتبقية من المداخيل المرتقبة لتسويق منتجات التجربة.

وتوجد المزرعة على بعد نحو سبعة أميال بحرية من ميناء سيدي إفني، ضمن امتياز بحري يمتد على مساحة 25 هكتاراً، وبأعماق تتراوح بين 40 و45 متراً.

وتتكون من أربعة أقفاص عائمة يبلغ قطر كل واحد منها 29 متراً، بطاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى 280 طناً سنوياً، بمعدل 70 طناً لكل قفص. وتتوفر المنشأة أيضاً على سفينة «أمان» من نوع كاتاماران، مخصصة لأعمال الصيانة وتغذية الأسماك، إلى جانب قاعدة لوجستية بميناء سيدي إفني على مساحة 800 متر مربع، تضم مرافق للتخزين ومختبراً علمياً ومكاتب إدارية.

غير أن الانتقال إلى التشغيل لم يأتِ دون مرحلة اختبار طويلة؛ إذ سبقت إطلاق المشروع دورة تجريبية امتدت من 2021 إلى 2026، شملت دراسة الموقع من الناحية الأوقيانوغرافية، واختبار قدرة الأقفاص العائمة على مقاومة العواصف، فضلاً عن إنجاز دورة تربية متكاملة لسمك الزريقة الملكية، انطلاقاً من صغار اليرقات وصولاً إلى الحجم التجاري.

وأظهرت نتائج هذه التجربة، بعد 16 شهراً من التسمين، بلوغ متوسط وزن الأسماك 400 غرام، وهو الوزن المستهدف للتسويق، مع تسجيل معدل بقاء وصفه المعهد بالاستثنائي. كما ساهمت هذه المرحلة في تطوير خبرة الفرق العلمية والتأكد من أداء تقنيات التربية في ظروف بحرية قاسية.

وفي خطوة ترمي إلى وصل البحث العلمي بالسوق، سيتولى فاعل خاص، جرى اختياره عقب طلب إبداء اهتمام أطلقه المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، تسويق أول إنتاج للمزرعة، فضلاً عن تدبيرها واستغلالها خلال السنوات الخمس المقبلة. غير أن هذه الشراكة لن تلغي وظيفتها العلمية والتجريبية، إذ سيحتفظ المعهد بإمكانية مواصلة أنشطة البحث والتطوير داخلها.

وبذلك، لا تقف أهمية مشروع سيدي إفني عند حجم الاستثمار أو الطاقة الإنتاجية المرتقبة، بل تمتد إلى اختبار نموذج يجمع التمويل العمومي والبحث العلمي والخبرة الاقتصادية، بهدف نقل تربية الأسماك في أعالي البحار من مرحلة التجربة إلى آفاق الإنتاج، على أساس نتائج علمية قابلة للتقييم والتطوير.