كشفت تقارير أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية عن اختلالات بنيوية في تدبير المشاريع الاستثمارية بعدد من الجماعات الترابية بجهة الدار البيضاء–سطات، همّت مختلف مراحل إعداد المشاريع وبرمجتها وتنفيذها، ما تسبب في ارتفاع كلفتها، وتأخر إنجازها، وتراجع مردوديتها التنموية.
وأفادت مصادر مطلعة أن عمليات الافتحاص التي باشرتها مصالح المفتشية أظهرت أن عددا من الجماعات أطلقت مشاريع وصفقات عمومية قبل استكمال الدراسات التقنية والمالية والقانونية الضرورية، وهو ما أدى، في العديد من الحالات، إلى مراجعة التصاميم أثناء التنفيذ، وإدخال تعديلات متكررة على الأشغال، فضلا عن إبرام ملاحق مالية رفعت الكلفة النهائية للمشاريع مقارنة بالتقديرات الأولية.
وأوضحت المصادر أن التقارير سجلت أيضا غياب أو ضعف دراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية في عدد من المشاريع، حيث لم يتم، في حالات كثيرة، تبرير الحاجة الفعلية إلى هذه الاستثمارات أو تقييم أثرها المنتظر على الساكنة، كما غابت مؤشرات دقيقة لقياس مدى مساهمة المشاريع في تحسين جودة الخدمات العمومية وتحقيق أهداف التنمية المحلية.
وفي الجانب التقني، رصدت المفتشية شروع بعض الجماعات في تنفيذ مشاريع دون إنجاز الدراسات الهندسية والجيوتقنية والطبوغرافية اللازمة، الأمر الذي أدى إلى ظهور عراقيل ميدانية بعد انطلاق الأشغال، وفرض مراجعة التصاميم والدفاتر التقنية، وإصدار أوامر بالخدمة التكميلية وإنجاز أشغال إضافية، بل وإعادة تصميم بعض المشاريع أو تغيير مواقع تنفيذها.
كما وقفت التقارير على اختلالات في تدبير الجانب المالي للمشاريع، إذ تم في بعض الحالات تخصيص اعتمادات غير كافية لاستكمال الأشغال، فيما عرفت مشاريع أخرى تضخيما في الكلفة التقديرية دون مبررات تقنية واضحة، ما تسبب في ارتباك البرمجة المالية واضطر الجماعات إلى تعبئة اعتمادات إضافية أو اللجوء إلى صفقات تكميلية.
ولم تقتصر الملاحظات على الجوانب التقنية والمالية، بل شملت أيضا الوضعية القانونية للعقارات المخصصة لإنجاز المشاريع، حيث تبين أن بعض الجماعات شرعت في إطلاق أوراش قبل استكمال إجراءات التملك أو التفويت أو التحفيظ، وهو ما أدى إلى تعطيل الأشغال أو إعادة برمجتها في عدد من الحالات.
وسجلت لجان الافتحاص كذلك غياب تقييم شامل للمخاطر التقنية والمالية والقانونية والبيئية، إلى جانب اعتماد جداول زمنية غير واقعية لا تراعي طبيعة الأشغال والإكراهات الميدانية، ما أدى إلى تمديد آجال الإنجاز مرات متعددة وتأخر استفادة المواطنين من المشاريع، مع ما رافق ذلك من ارتفاع إضافي في النفقات.
ومن بين أبرز الاختلالات التي رصدتها المفتشية، غياب تصور واضح لمرحلة ما بعد إنجاز المشاريع، إذ لم تُنجز دراسات تتعلق بكلفة الاستغلال والصيانة، ما جعل بعض المرافق العمومية تتحول، بعد افتتاحها، إلى عبء على ميزانيات التسيير، أو تشهد تراجعا في جودة الخدمات بسبب نقص الموارد المالية والبشرية اللازمة لتدبيرها.
كما كشفت التقارير عن غياب منظومة فعالة لتقييم الأثر وقياس النتائج، حيث لم تعتمد بعض الجماعات مؤشرات موضوعية تسمح بتقييم مدى تحقيق المشاريع للأهداف المسطرة، سواء من حيث تحسين الخدمات العمومية أو خلق فرص التنمية أو الاستجابة لانتظارات الساكنة، وهو ما يصعب، بحسب المصادر، تقييم نجاعة الإنفاق العمومي وقياس مردوديته.
وأكدت المصادر أن هذه الاختلالات لا تقتصر آثارها على الجوانب الإدارية، بل تمتد إلى تدبير المال العام، من خلال تضخم الكلفة النهائية للمشاريع، واللجوء المتكرر إلى أوامر التغيير والملاحق المالية، فضلا عن توقف بعض الأوراش أو تأخرها لسنوات، وما يرافق ذلك من تراجع في جودة الإنجاز وإهدار للموارد العمومية.
وأوصت المفتشية العامة للإدارة الترابية، وفق المصادر ذاتها، بتعزيز حكامة تدبير المشاريع المحلية، من خلال إلزام الجماعات بإنجاز جميع الدراسات التقنية والمالية والقانونية قبل برمجة المشاريع وإطلاق الصفقات، وربط الترخيص ببدء التنفيذ باستكمال هذه الدراسات، بما يضمن ترشيد الإنفاق العمومي، واحترام مبادئ الشفافية والنجاعة، وتحقيق الأثر التنموي المنشود لفائدة المواطنين.



