بدأت الجولة الثانية من مشاورات تشكيل الحكومة تكشف، بشكل أكثر وضوحاً، عن السيناريوهات التي تتحرك داخلها فاطمة الزهراء المنصوري وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما انتقل النقاش من جس نبض مختلف الأحزاب إلى اختبار صيغ قادرة على توفير أغلبية برلمانية مستقرة وقاعدة سياسية قابلة لتدبير المرحلة المقبلة.
ووفق معطيات من داخل حزب الأصالة والمعاصرة، فإن صيغة تجمع «البام» بأحزاب ما كان يعرف باسم “الكتلة الديمقراطية”، ممثلة في الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، باتت من بين الصيغ المتقدمة في المشاورات، مع استمرار البحث عن حزب إضافي يمكن أن يوسع القاعدة العددية للأغلبية.
وتكتسب هذه الصيغة ثقلاً خاصاً من الناحية البرلمانية؛ فالأصالة والمعاصرة يتوفر على 97 مقعداً، والاستقلال على 65، والاتحاد الاشتراكي على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، بما مجموعه 207 مقاعد، أي بفارق تسعة مقاعد عن الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً بمجلس النواب.
لكن الحساب العددي ليس العامل الوحيد الذي يفسر تقدم هذا السيناريو داخل المشاورات. فالمعادلة المطروحة تتجاوز جمع المقاعد إلى البحث عن صيغة سياسية يمكنها أن تمنح الحكومة المقبلة امتداداً داخل المؤسسات والمجال الاجتماعي، خصوصاً أن الأحزاب الثلاثة المنتمية إلى الكتلة راكمت، بدرجات مختلفة، تجربة في تدبير الملفات الاجتماعية وعلاقات ممتدة مع الفاعلين النقابيين.
وتقول مصادر من داخل «البام» إن هذا البعد يحضر ضمن العناصر التي يجري استحضارها في تقييم الصيغ الممكنة، بالنظر إلى أن المرحلة المقبلة ستضع الحكومة أمام ملفات اجتماعية واقتصادية تتطلب قدرة أكبر على الحوار والتفاوض مع النقابات والمهنيين وباقي الشركاء الاجتماعيين.
وتأتي هذه المؤشرات بالتزامن مع تكثيف المنصوري لقاءاتها مع قادة الأحزاب. فبعد استقبال محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، عقدت لقاءً ثانياً مع إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيما تتواصل المشاورات مع حزب الاستقلال، في وقت يظل فيه حزب الحركة الشعبية ضمن دائرة الاحتمالات المطروحة لتوسيع الأغلبية.
ويبدو أن لقاء المنصوري ولشكر حمل مؤشرات إضافية بشأن موقع الاتحاد الاشتراكي في الصيغة المرتقبة، بعدما تحدثت مصادر من داخل «البام» عن توجه نحو مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة، في وقت لا تزال فيه مشاركة التجمع الوطني للأحرار غير محسومة.
وبالنسبة إلى حزب التقدم والاشتراكية، فإن اجتماعه المقرر لجنته المركزية يكتسي أهمية خاصة، باعتباره محطة لاتخاذ القرار بشأن المشاركة الحكومية، بينما حسم حزب الاستقلال من جهته خيار المشاركة وفوض قيادته مواصلة التفاوض بشأن الصيغة الحكومية المقبلة.
أما الحركة الشعبية، فتبدو أقرب إلى ورقة توسيع الأغلبية منها إلى مكون محسوم داخلها، خصوصاً أن الحزب فوض أمينه العام محمد أوزين مواصلة المشاورات واتخاذ القرار بشأن تموقع الحزب في المرحلة المقبلة. ولذلك، فإن إدماجه في الصيغة النهائية سيظل مرتبطاً بما ستؤول إليه المفاوضات حول البرنامج الحكومي والهندسة السياسية وتوزيع المسؤوليات.
وفي المقابل، لا يبدو أن استبعاد التجمع الوطني للأحرار أصبح قراراً نهائياً، رغم أن المعطيات المتداولة داخل المشاورات تشير إلى أن بعض مكونات الأغلبية المحتملة لا تتحمس لعودة الصيغة الحكومية السابقة. وتظل مشاركة الحزب مرتبطة بمسار التفاوض وبمواقف مختلف الأطراف، وليس فقط برغبة طرف واحد في إدماجه أو استبعاده.
وتكشف تطورات الجولة الثانية أن النقاش بدأ يقترب من مرحلة أكثر عملية: أي الانتقال من سؤال «من سيدخل الحكومة؟» إلى أسئلة أكثر حساسية تتعلق بالبرنامج، والهندسة الحكومية، وتوزيع الحقائب، وطبيعة التنسيق بين مكونات الأغلبية.
ومن هذه الزاوية، فإن عودة «الكتلة» إلى واجهة المشاورات لا تبدو مجرد حساب رياضي للمقاعد، بل قد تحمل أيضاً بعداً يتعلق بطريقة تدبير المرحلة الاجتماعية المقبلة. فوجود الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية داخل أغلبية واحدة إلى جانب «البام» يمكن، إذا تم الاتفاق عليه نهائياً، أن يوفر للحكومة قنوات سياسية واجتماعية متعددة للحوار مع الشركاء الاجتماعيين.
ومع ذلك، تبقى الصيغة الحالية في دائرة المشاورات ولم تتحول بعد إلى تركيبة حكومية نهائية، خصوصاً أن قرار المشاركة يخضع لدى عدد من الأحزاب لمؤسساتها التقريرية، وأن المنصوري ولجنة المشاورات داخل «البام» ما زالتا مطالبتين بتحويل التقاطعات الحالية إلى اتفاق سياسي واضح حول الحكومة المقبلة.



