حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

لا تنحصر معركة الوجهات السياحية اليوم في امتلاك المناظر الطبيعية أو تشييد المنشآت الكبرى، بل تمتد إلى القدرة على تحويل الخصوصيات المحلية إلى تجارب قادرة على جذب الزوار وخلق قيمة اقتصادية. وفي الناظور، تبدو مارشيكا أمام فرصة من هذا النوع، من خلال توظيف فنون الطهي والمنتجات المحلية في دعم موقع المنطقة على الخريطة السياحية والاقتصادية.

وتتزامن هذه الدينامية مع استعداد الناظور لدخول مرحلة جديدة، في ظل اقتراب تشغيل مشاريع مهيكلة بالمنطقة، وعلى رأسها الميناء الجديد، بما قد يرفع من حركة الزوار والنشاط الاقتصادي ويزيد الحاجة إلى عرض سياحي متكامل يجمع بين البنيات التحتية والخدمات والمنتجات والكفاءات المحلية.

وفي هذا السياق، تحتضن مارشيكا، خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 11 أكتوبر الجاري، الدورة السادسة من تظاهرة تلامذة إسكوفير المغرب، تحت شعار “اكتشاف جوهرة مارشيكا: عندما تكشف فنون الطهي عن منطقة استثنائية”. ويشارك في الموعد نحو 35 طاهياً من المغرب وخارجه، إلى جانب 30 منتجاً وحوالي 300 ضيف ومسؤول و45 صحفياً ووسيلة إعلام.

ولا تكتسب التظاهرة أهميتها من حجم المشاركة فقط، وإنما من طبيعة الرهان الذي تطرحه، والمتمثل في جعل المطبخ بوابة لاكتشاف المنطقة ومنتجاتها، وربط عالم الطهي بالسياحة والضيافة والاقتصاد المحلي. فإبراز المنتجات البحرية ومكونات المطبخ المتوسطي يمكن أن يمنح المنتجات المحلية حضوراً يتجاوز السوق الإقليمية، خصوصاً في ظل مشاركة مهنيين وضيوف من خارج المغرب.

وتوفر مارشيكا لهذا الرهان مقومات طبيعية قوية. فالبحيرة تمتد على طول 25 كيلومتراً من الساحل المتوسطي، وتصنف ضمن مواقع رامسار والمواقع ذات الأهمية البيولوجية والبيئية، كما تستقبل منظومتها البيئية آلاف الطيور المهاجرة سنوياً، فضلاً عن الشريط الساحلي والكثبان والجبال المحيطة بها.

ومن شأن الجمع بين هذا الرصيد الطبيعي والمنتجات الغذائية المحلية أن يوسع مفهوم الجاذبية السياحية للناظور. فالزائر لا يبحث فقط عن منظر أو إقامة، وإنما عن تجربة متكاملة تشمل المكان والثقافة والمائدة والمنتجات والأنشطة المرتبطة بها. ومن هنا، يمكن لفنون الطهي أن تتحول من عنصر مكمل للعرض السياحي إلى وسيلة للتسويق الترابي وخلق فرص اقتصادية جديدة.

وفي هذا الإطار، يؤكد الشيف لحسن حفيظ، رئيس تلامذة إسكوفير المغرب، أن فن الطهي يمثل إحدى الوسائل للتعريف بغنى المناطق وإبراز ثرواتها، مشيراً إلى أن مارشيكا تتوفر على مؤهلات استثنائية لم تحظ بعد بالانتشار الكافي، وأن التظاهرة تستهدف تعريف العالم بجمال المنطقة ومنتجاتها والمواهب التي تزخر بها.

ويظهر البعد الاقتصادي بشكل أوضح من خلال مشاركة نحو 30 منتجاً، إذ تتيح هذه المشاركة فرصة للربط بين المنتجين والطهاة والمهنيين في قطاعات المطاعم والسياحة والضيافة. كما يمكن أن تساهم في تعريف الزوار والمهنيين بمنتجات محلية قابلة للإدماج في سلاسل القيمة السياحية، بما يفتح أمامها إمكانات تسويق جديدة داخل المنطقة وخارجها.

ولا ينفصل ذلك عن الاستثمار في العنصر البشري، إذ يتضمن البرنامج مسابقة “المواهب الشابة لإسكوفير”، التي ستقام في الهواء الطلق قبالة بحيرة مارشيكا، بمشاركة ما بين 15 و20 شابة وشاباً من مختلف جهات المملكة. وتهدف المسابقة إلى اكتشاف طهاة المستقبل، وتشجيع الابتكار وتثمين المنتجات المحلية، فضلاً عن خلق مساحة لتبادل الخبرات بين الطهاة المتمرسين والجيل الجديد.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في منطقة تستعد لتحولات اقتصادية وسياحية يمكن أن ترافقها حاجيات متزايدة إلى اليد العاملة المؤهلة في المطاعم والفنادق والضيافة والخدمات المرتبطة بالسياحة. وبالتالي، فإن تنمية الوجهة لا تتعلق فقط بجذب الاستثمارات، وإنما أيضاً بإعداد الكفاءات القادرة على مواكبة توسع النشاط.

وتمنح المشاركة الدولية في الدورة الحالية بعداً إضافياً لهذا الرهان، إذ تنظم التظاهرة في إطار الاحتفال بالذكرى الـ180 لميلاد أوغست إسكوفير، مع برمجة عشاء “إيبيكور” الدولي بمشاركة وفود تلامذة إسكوفير من عدة قارات تحت شعار “العالم على مائدة واحدة”. ويتيح هذا الموعد بدوره فرصة لتقديم المغرب ومارشيكا ومكونات المطبخ المحلي أمام جمهور دولي من المهنيين والمهتمين بفنون الطهي.

كما يحضر البعد البيئي في هذه المقاربة، بالنظر إلى ارتباط مستقبل مارشيكا بالحفاظ على مواردها الطبيعية. وتشمل الجهود المرتبطة بالمنطقة استعادة النظام البيئي للبحيرة، وإعادة التشجير وحماية الأنظمة البيئية والحد من التلوث. وهو ما يجعل الربط بين السياحة والطهي والبيئة جزءاً من تصور أوسع يقوم على تثمين الموارد دون استنزافها.

وتأتي هذه المقاربة في وقت تتجه فيه الوجهات السياحية إلى البحث عن عناصر تميز جديدة، بعدما أصبحت التجربة المحلية والمنتجات الأصيلة وفنون الطهي جزءاً من القدرة التنافسية للمدن والمناطق. وبالنسبة إلى الناظور، يمكن لهذا التوجه أن يمنح مارشيكا هوية سياحية أكثر تنوعاً، تجمع بين الطبيعة والبحر والمطبخ والثقافة والموارد البشرية.

ومع اقتراب دخول مشاريع جديدة حيز الاستغلال، ولا سيما الميناء الجديد، يصبح الرهان أكبر على تحويل هذه المؤهلات إلى نشاط اقتصادي مستدام يستفيد منه المنتجون والمهنيون والشباب. فالبنية التحتية تستطيع تسهيل الوصول إلى الوجهة، لكن جودة التجربة وما تقدمه من منتجات وخدمات هي التي يمكن أن تحدد قدرة الزائر على العودة واختيار المنطقة مجدداً.

ومن هذه الزاوية، تبدو تظاهرة تلامذة إسكوفير أكثر من مجرد موعد للاحتفاء بفنون الطهي. فهي تقدم نموذجاً لكيفية استخدام المطبخ المحلي كأداة للتعريف بالمجال، وربط المنتجين بالسياحة، وإبراز الكفاءات، وفتح نافذة دولية على مؤهلات الناظور.

وبذلك، يصبح رهان مارشيكا أوسع من الترويج لمائدة محلية أو لحدث طهوي مؤقت؛ إنه رهان على تحويل الطبيعة والمنتجات والكفاءات إلى مكونات لاقتصاد سياحي قادر على مواكبة التحولات التي تستعد المنطقة لاستقبالها، وترسيخ حضور الناظور كوجهة تجمع بين جاذبية المتوسط وفرص الاستثمار وتجربة محلية ذات قيمة.