الرباط – في ظل الدينامية التنموية التي يشهدها المغرب، تبرز الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية كواحدة من أهم المؤسسات العمومية التي تضطلع بأدوار استراتيجية تتجاوز تسجيل الملكيات، لتشمل حماية الحقوق العقارية، وإنتاج البيانات الجغرافية الدقيقة، ومواكبة مشاريع التنمية والاستثمار، فضلاً عن قيادة ورش الرقمنة في قطاع يعد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالاقتصاد الوطني.
ويشكل الأمن العقاري اليوم أحد أهم مؤشرات مناخ الأعمال، إذ لا يمكن الحديث عن استثمار أو تمويل أو تخطيط عمراني دون وجود منظومة عقارية موثوقة تضمن حماية الملكية وتوفر معطيات دقيقة حول المجال الترابي. ومن هذا المنطلق، تضطلع الوكالة بدور محوري في تحفيظ العقارات، وحفظ الحقوق العينية، وتحديث الرسوم العقارية، بما يرسخ الثقة في المعاملات العقارية ويحد من النزاعات.
ولم يعد دور المحافظة العقارية يقتصر على تسجيل الملكيات، بل أصبح ركيزة أساسية في مواكبة السياسات العمومية، من خلال توفير قاعدة بيانات عقارية وجغرافية متكاملة تعتمد عليها الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية في إعداد وثائق التهيئة العمرانية، وإنجاز مشاريع البنيات التحتية، وتطوير المناطق الصناعية واللوجستية، وإعداد الدراسات المرتبطة بالاستثمار والتنمية المستدامة.
تقنيات حديثة بمعايير عالمية
اعتمدت الوكالة خلال السنوات الأخيرة على استراتيجية طموحة لتحديث أدوات العمل، بالاستثمار في أحدث التقنيات الجيوماتيكية والرقمية، ما جعلها من بين المؤسسات الرائدة في هذا المجال على الصعيدين الإفريقي والعربي.
وتستعمل الوكالة تقنيات متطورة تشمل أنظمة تحديد المواقع بالأقمار الصناعية GNSS، ونظم المعلومات الجغرافية GIS، والتصوير الجوي والفضائي عالي الدقة، والطائرات بدون طيار (الدرون)، وتقنيات LiDAR، ومحطات الرصد الجيوديزية، إضافة إلى الماسحات ثلاثية الأبعاد، وهي أدوات تتيح إنجاز عمليات المسح العقاري والخرائطي بدقة كبيرة وفي آجال زمنية قصيرة، مع إنتاج بيانات جغرافية وفق أحدث المعايير الدولية.
وقد ساهم هذا التطور التكنولوجي في تحسين جودة الخرائط الوطنية والطبوغرافية، وتوفير معطيات دقيقة يعتمد عليها المهندسون والمستثمرون والإدارات العمومية في إنجاز المشاريع الكبرى، وتدبير المجال الترابي، والوقاية من المخاطر الطبيعية، وحماية الموارد البيئية.
رقمنة الخدمات وتقريب الإدارة من المواطن
ويعد التحول الرقمي أحد أبرز الأوراش التي تقودها الوكالة، حيث وفرت مجموعة واسعة من الخدمات الإلكترونية لفائدة المواطنين والمهنيين، تشمل طلب الشهادات العقارية، وتتبع الملفات، وأداء الرسوم إلكترونياً، والاطلاع على المعلومات العقارية عن بعد، وهو ما ساهم في تقليص آجال معالجة الملفات، والرفع من جودة الخدمات، وتعزيز الشفافية والحكامة.
كما مكنت الرقمنة من تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين في المنظومة العقارية، من موثقين وعدول ومهندسين طبوغرافيين وإدارات عمومية، بما يساهم في تسريع وتيرة الاستثمار وتبسيط المساطر الإدارية.
شريك أساسي في المشاريع الوطنية الكبرى
ومع الأوراش التنموية التي يشهدها المغرب، وعلى رأسها مشاريع الطرق السيارة، والسكك الحديدية، والموانئ، والمطارات، والمدن الجديدة، والطاقات المتجددة، والاستعدادات لاحتضان كأس العالم 2030، تبرز أهمية الوكالة باعتبارها المزود الرئيسي للمعطيات العقارية والخرائطية التي تشكل أساساً لاتخاذ القرار وإنجاز المشاريع وفق رؤية علمية دقيقة.
كما تلعب المؤسسة دوراً محورياً في إنجاح ورش الجهوية المتقدمة، من خلال تمكين الجهات والجماعات الترابية من قواعد بيانات جغرافية حديثة تساعدها على إعداد برامج التنمية، وتحديد الأولويات، وتحقيق العدالة المجالية.
رافعة للاستثمار والتنمية
ويؤكد خبراء أن الأمن العقاري يمثل اليوم أحد أهم عوامل جذب الاستثمار، إذ إن وضوح الوضعية القانونية للعقار، وسرعة الحصول على المعلومات، وجودة الخرائط، كلها عناصر تعزز ثقة المستثمرين الوطنيين والدوليين.
وفي هذا السياق، تواصل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية تطوير خدماتها وتحديث بنيتها الرقمية، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية الرامية إلى تحديث الإدارة، وتسريع التحول الرقمي، وتحقيق تنمية مستدامة قائمة على الحكامة الجيدة والابتكار.
وبفضل هذه الرؤية، أصبحت الوكالة اليوم أكثر من مجرد مؤسسة تعنى بتسجيل العقارات؛ فهي فاعل استراتيجي في بناء المغرب الحديث، وشريك رئيسي في تعزيز الأمن العقاري، ودعم الاستثمار، وإنتاج المعرفة الجغرافية، بما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويواكب طموحات المملكة خلال العقود المقبلة.



