حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

ليس الفرس في الدورة السابعة عشرة لمعرض الفرس بالجديدة مجرد رمز للتراث المغربي أو موضوع لفرجة تستقطب عشاق الفروسية، بل يمثل أيضاً محوراً لقطاع اقتصادي تتقاطع فيه تربية الخيول وتحسين سلالاتها والرياضات الفروسية والحرف التقليدية والاستثمار.

وقد ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، حفل افتتاح هذه الدورة بمركز المعارض محمد السادس بالجديدة، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تحت شعار «الفرس في خدمة الإنسان»، فيما تتواصل فعالياتها إلى غاية 18 أكتوبر الجاري.

ويعكس هذا الموعد أهمية الفرس في الذاكرة الثقافية المغربية، كما يبرز الرهان على تثمين المؤهلات الاقتصادية والاجتماعية للقطاع وتعزيز إشعاعه على الصعيد الدولي.

وتضع هذه الدورة، من خلال شعارها، العلاقة المتوارثة بين الإنسان والخيل في صلب برنامج يجمع بين المنافسات الرياضية واستعراض مهارات الفرسان والتعريف بالسلالات، إلى جانب فتح المجال أمام المهنيين لتبادل الخبرات واستكشاف فرص التعاون. ويعكس هذا التنوع توجهاً يتجاوز الاحتفاء بالفرس بوصفه رمزاً للأصالة المغربية، نحو إبراز دوره في منظومة اقتصادية واجتماعية تشمل التربية والتكوين والخدمات والأنشطة المرتبطة بالفروسية.

ويترجم حضور أكثر من 1100 من الخيول وما يزيد على 700 فارس حجم التعبئة التي ترافق هذه التظاهرة، كما يمنح الزوار فرصة للتعرف على تعدد السلالات ومستويات التنافس والمهارات التي تميز عالم الفروسية.

وتحتل تربية الخيول وتحسين خصائصها موقعاً مهماً في البرنامج، من خلال كأس المربين المغاربة للخيول العربية الأصيلة، المنظمة بشراكة مع الشركة الملكية لتشجيع الفرس والجمعية الملكية المغربية لمربي الخيول، فضلاً عن المباراة الدولية للنموذج والهيئة المعروفة باسم «Title Show»، وكأسي الأبطال المخصصتين للخيول العربية البربرية والخيول البربرية.

ولا تنحصر قيمة هذه المنافسات في الألقاب والجوائز، بل تمتد إلى إبراز جهود المربين في تحسين السلالات وتثمين خصائصها، وتعزيز حضور الخيول المغربية في المواعيد المتخصصة. كما يكتسي الاهتمام بالسلالتين البربرية والعربية البربرية أهمية خاصة، بالنظر إلى مكانتهما ضمن الموروث الوطني، وما يتيحه تطوير تربيتهما من إمكانات للجمع بين المحافظة على الأصالة والاستجابة لمتطلبات المنافسة.

وعلى الواجهة الرياضية، يبرز المعرض من خلال الارتقاء بمستوى منافسات القفز على الحواجز ضمن جولة المغرب الملكية، التي تشكل محطة لاستقطاب فرسان من مستويات دولية متقدمة. ويعكس انتقال الجائزة الكبرى لصاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى مستوى تنافسي أعلى توجهاً نحو تعزيز مكانة هذه المنافسات، وتوسيع فرص الاحتكاك الرياضي، وجعل المعرض فضاءً يلتقي فيه البعد الجماهيري بالممارسة الاحترافية.

غير أن التبوريدة تظل من أبرز مظاهر ارتباط الفرس بالوجدان المغربي، إذ تستقطب عروضها جمهوراً واسعاً يتابع منافسات السربات في إطار البطولة على الجائزة الكبرى لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. ففي هذا الفن الفروسي، تتكامل مهارة الفرسان وانضباط المجموعة واستعداد الخيول في مشهد يستحضر تقاليد عريقة تناقلتها الأجيال.

وتتجاوز أهمية التبوريدة البعد الاستعراضي، بالنظر إلى ارتباطها بتربية الخيول وصناعة لوازم الفروسية التقليدية والخبرات الحرفية المتوارثة. كما أن إدراجها ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية يعزز أهمية صون هذا الموروث ومواكبته. وفي هذا السياق، تندرج اتفاقية التعاون بين الشركة الملكية لتشجيع الفرس والجمعية الوطنية للتبوريدة، إلى جانب جهود دعم الممارسين والمربين وتوفير بنيات متخصصة للتدريب، من بينها مركز بنسليمان.

وإلى جانب هذه الأبعاد التراثية والرياضية، يفتح المعرض المجال أمام توسيع الشراكات المهنية والاستثمارية، بمشاركة أكثر من 100 عارض من أكثر من 50 بلداً. ويمنح هذا الحضور الدولي فرصة للتعريف بمختلف حلقات النشاط المرتبط بالخيول، وتعزيز تبادل الخبرات بين الفاعلين، فيما تواكب التظاهرة تغطية إعلامية دولية بمشاركة نحو 600 صحافي، بحسب المعطيات المنشورة. ويطمح المنظمون إلى استقطاب أكثر من 150 ألف زائر، في مؤشر على البعد الجماهيري والسياحي الذي يراهن عليه المعرض.

وتندرج هذه الدينامية ضمن برنامج تعاقدي يمتد من 2024 إلى 2030، برصد استثمارات إجمالية تبلغ مليار درهم، بدعم رئيسي من الدولة. ووفق معطيات أوردتها صحيفة «L’Économiste» في عددها الصادر الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، يوفر قطاع الخيول بالمغرب نحو 30 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، ويسهم بأكثر من 0.6 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني. وتبرز هذه المؤشرات امتداد القطاع إلى ما وراء تربية الخيول وتنظيم المنافسات، ليشمل شبكة من الخدمات والمهن والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالفروسية.

ولا يغيب البعد الثقافي والتربوي عن هذه الدورة، من خلال مسابقات موجهة إلى المواهب الشابة في مجالات الفن والشعر والتصوير الفوتوغرافي والفيديو، بما يتيح تقديم الفرس من زوايا إبداعية مختلفة، ويقرب الأجيال الجديدة من هذا الموروث. كما تسهم هذه الأنشطة في توسيع دائرة المهتمين بالمعرض، لتشمل الأسر والشباب إلى جانب المربين والفرسان والمهنيين.

وبين صهيل الخيول في حلبات المنافسة، وإيقاع التبوريدة، ولقاءات المربين والمهنيين، ومنافسات القفز على الحواجز ومسابقات السلالات، يسعى معرض الفرس بالجديدة إلى إبراز قيمة الفرس باعتباره مكوناً من مكونات الهوية المغربية، وقطاعاً تتقاطع فيه رهانات صون التراث وتطوير الخبرات وتعزيز فرص الاستثمار والتشغيل.

ومن ثم، فإن الرهان لا يقتصر على نجاح تظاهرة تمتد ستة أيام، بل يشمل جعل هذا الموعد مناسبة لتثمين الفرس المغربي، والتعريف بالمهن المرتبطة به، ودعم استمرارية المعرفة التقليدية وتطويرها بما يستجيب للتحولات الاقتصادية والرياضية.