لم يعد الرهان على ميناء الناظور غرب المتوسط مقتصرا على توفير بنية تحتية بحرية قادرة على استقبال حركة التجارة الدولية، بل أصبح مرتبطا بمدى توفر شبكة نقل تضمن وصول البضائع إلى المراكز الاقتصادية والصناعية داخل المغرب وخارجه، بما يجعل الربط اللوجستي عاملا حاسما في تحويل المنشأة المينائية إلى رافعة للتنمية والاستثمار بجهة الشرق.
وفي هذا السياق، يكتسي الطريق السيار الرابط بين الناظور وجرسيف أهمية استراتيجية، باعتباره حلقة أساسية في ربط الميناء الجديد بالشبكة الوطنية للطرق السيارة ومواكبة التحولات اللوجستية والاقتصادية المرتقبة بالجهة.
ويجري إنجاز هذا المشروع باستثمار مالي يناهز 8 مليارات درهم، وعلى امتداد 104 كيلومترات، موزعة على ثلاثة أشطر، في إطار الأوراش الرامية إلى تطوير البنيات التحتية للنقل والمواصلات.
وتتعزز أهمية هذا الربط الطرقي مع دخول ميناء الناظور غرب المتوسط مرحلة التشغيل، عقب إطلاق عملياته بالمحطة الشرقية للحاويات يوم السبت 31 أكتوبر، بإشراف ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وهو تطور يرفع من أهمية توفير منافذ برية قادرة على مواكبة التدفقات التجارية والبحرية المرتقبة.
ومن أبرز التطورات المسجلة في هذا الورش استكمال الأشغال الرئيسية للمقطع الرابط بين الدريوش وميناء الناظور غرب المتوسط، ما يجعل هذا الجزء جاهزا ويعزز الربط الطرقي للمركب المينائي، في مرحلة انتقاله من تشييد المنشآت إلى استقبال النشاط التجاري.
وتفرض هذه المرحلة توفير مسارات نقل تضمن انسيابية حركة الشاحنات والبضائع، وتربط القدرة الاستيعابية للميناء بإمكانات نقل المنتجات نحو وجهاتها.
ولا تقتصر وظيفة الطريق السيار على تحسين التنقل بين المدن، بل يندرج ضمن منظومة لوجستية متعددة الوسائط تجمع بين النقل البحري والطرقي والسككي، وتستهدف تحقيق التكامل بين الميناء والمناطق الصناعية واللوجستية المحيطة به، فضلا عن ربطه بالمجالات الاقتصادية الداخلية، بما فيها الأقاليم التي لا تتوفر على منافذ بحرية مباشرة.
ومن شأن هذا الربط أن يوسع إمكانات تسويق المنتجات الفلاحية والصناعية لجهة الشرق، عبر تسهيل نقلها نحو الميناء والأسواق الوطنية والدولية، وتقليص تكاليف النقل والمدة الزمنية اللازمة لوصولها.
كما يعزز فرص استقطاب استثمارات مرتبطة بالتجارة البحرية والصناعات التحويلية والتصدير، من خلال توفير ارتباط أفضل بين البنيات المينائية وشبكات النقل والتوزيع.
ويحمل تزامن تقدم الطريق السيار مع دخول الميناء مرحلة التشغيل رهانا اقتصاديا يتجاوز إنجاز المنشآت إلى تحفيز الاستثمار وإحداث أنشطة إنتاجية جديدة.
فالتكامل بين المشروعين من شأنه تحسين جاذبية جهة الشرق بالنسبة إلى المستثمرين الوطنيين والدوليين، وتشجيع إقامة وحدات صناعية وتطوير أنشطة التخزين والتوزيع والخدمات اللوجستية، بما يوسع فرص الشغل ويساهم في تنويع النسيج الاقتصادي المحلي، الذي واجه لسنوات تحديات مرتبطة بمحدودية الربط والبنيات التحتية وفرص الاستثمار.
وبذلك، يتجه المشروعان إلى إعادة تموقع جهة الشرق داخل الخريطة الاقتصادية واللوجستية للمملكة، من خلال الانتقال من مجرد تحسين الربط وفك العزلة عن المجالات الترابية إلى بناء أقطاب إنتاجية وتصديرية مندمجة في شبكات التجارة الدولية.
غير أن الأثر الاقتصادي المنتظر لهذه الاستثمارات سيظل رهينا بقدرة الجهة على تحويل البنيات التحتية المنجزة إلى مشاريع وأنشطة منتجة، قادرة على استقطاب الرساميل وخلق الثروة ومناصب الشغل، وتعزيز مساهمة الاقتصاد المحلي في الدورة الاقتصادية الوطنية.



