حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تدخل مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة مرحلة أكثر حساسية بعد أن حسمت المجالس الوطنية لعدد من الأحزاب مواقفها ومنحت قياداتها تفويضات واضحة لخوض التفاوض، في وقت باتت فيه رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، أمام خريطة سياسية بدأت تتضح معالمها، لكنها لا تزال مفتوحة على نقاشات مرتبطة بالتحالفات وشروط المشاركة وتركيبة الأغلبية المقبلة.

وكانت محطة السبت 3 أكتوبر حاسمة بالنسبة إلى حزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، بعدما اختار الأول إعلان استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة وتفويض رئيسه محمد شوكي تدبير هذه المشاركة وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية، فيما صادق المجلس الوطني لحزب الاستقلال بالإجماع على المشاركة في الحكومة، مفوضاً الأمين العام نزار بركة واللجنة التنفيذية استئناف المشاورات مع قيادة حزب الأصالة والمعاصرة.

وبذلك انتقل الحزبان من مرحلة تحديد الموقف السياسي العام إلى مرحلة التفاوض حول تفاصيل المشاركة، وهو ما يمنح الجولة المقبلة من المشاورات طابعاً مختلفاً عن الاتصالات الأولية التي أعقبت الانتخابات. فإعلان الاستعداد للمشاركة لا يعني، في حد ذاته، حسم طبيعة التحالف أو توزيع المسؤوليات، وإنما يفتح الباب أمام مفاوضات ستتحدد خلالها شروط كل طرف وأولوياته وموقعه داخل الأغلبية المرتقبة.

ويملك محمد شوكي، بموجب التفويض الذي منحه له المجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار، هامشاً للتفاوض بشأن مشاركة الحزب في الحكومة الجديدة. ويأتي ذلك بعدما أكد الحزب استعداده للانخراط في الترتيبات الحكومية المقبلة، في موقف يضعه عملياً أمام جولة تفاوضية مع قيادة الأصالة والمعاصرة حول طبيعة المشاركة ومضمونها.

أما حزب الاستقلال، فقد دخل بدوره مرحلة التفاوض مسلحاً بتفويض صريح من مجلسه الوطني، الذي صادق بالإجماع على المشاركة في الحكومة المقبلة. وكان نزار بركة قد قدم أمام المجلس تصوراً أولياً للحكومة يقوم على تشكيل «حكومة سياسية، قوية ومنسجمة»، تنتظم في أقطاب قطاعية متجانسة وتستند إلى مبادئ وقواعد واضحة، مع إبراز ملفات التشغيل والبطالة والقدرة الشرائية وإدماج الشباب وتمكين المرأة وتوسيع الطبقة الوسطى ضمن التحديات التي يرى الحزب أنها ستكون مطروحة خلال المرحلة المقبلة.

وفي الجهة المقابلة، حصلت فاطمة الزهراء المنصوري على تفويض من المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة لمواصلة قيادة المشاورات مع مختلف الأحزاب، إلى جانب اللجنة التي تضم فوزي لقجع وأحمد أخشيشن وعبد اللطيف وهبي. وأقرت المنصوري، عقب اختتام الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني بالصخيرات، بأن النقاش الداخلي لم يكن سهلاً، بعدما ظهرت مواقف تطالب بوضع خطوط حمراء أمام بعض التحالفات، مقابل توجه آخر يدافع عن إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع مختلف المكونات السياسية.

وحسم المجلس الوطني في نهاية المطاف تفويض المنصوري واللجنة المكلفة بالمشاورات بمواصلة المفاوضات، بما يعني أن الحزب انتقل من مرحلة النقاش الداخلي حول الخيارات الممكنة إلى مرحلة إدارة التفاوض مع الشركاء المحتملين. كما أعلنت المنصوري أن الاتصالات الأولية انتهت وأن جولة جديدة من المشاورات ستنطلق ابتداء من الأسبوع المقبل.

ولا تقتصر خريطة المشاورات على الأحزاب التي أعلنت استعدادها للمشاركة بشكل مباشر، إذ اختارت الحركة الشعبية صيغة أكثر تحفظاً، بعدما فوض مجلسها الوطني الأمين العام محمد أوزين مواصلة المشاورات السياسية المرتبطة بتشكيل الأغلبية واتخاذ القرار الملائم بشأن تموقع الحزب خلال المرحلة المقبلة. وبذلك أبقى «السنبلة» الباب مفتوحاً أمام المشاركة من دون إعلان موقف نهائي بشأن الدخول إلى الحكومة.

وسار الاتحاد الدستوري في الاتجاه نفسه، بعدما فوض مكتبه السياسي بالإجماع الأمين العام محمد جودار قيادة المشاورات مع رئيسة الحكومة المعينة ومنحه الصلاحيات اللازمة لاتخاذ القرار المناسب. ويتيح هذا التفويض للحزب دخول المفاوضات من دون حسم مسبق لموقعه في الخريطة الحكومية المقبلة.

أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد كان قد فوض الكاتب الأول إدريس لشكر ورئيس المجلس الوطني متابعة المفاوضات الجارية مع رئيسة الحكومة المعينة، مع الإبقاء على المكتب السياسي مفتوحاً لمواكبة تطورات الحوار والعودة إليه كلما نضجت شروط التفاوض.

وفي موازاة ذلك، ينتظر أن يحسم حزب التقدم والاشتراكية موقفه من المشاركة خلال اجتماع استثنائي لجنته المركزية المقرر الثلاثاء، وهو قرار قد يضيف عنصراً جديداً إلى الحسابات المرتبطة بتشكيل الأغلبية. وفي المقابل، أعلن حزب العدالة والتنمية، الذي حل رابعاً في الانتخابات التشريعية الأخيرة، تموقعه خارج مسار تشكيل الحكومة، مع توجهه إلى افتتاح الولاية البرلمانية من موقع المعارضة، ما لم تفرز المفاوضات الحزبية المقبلة ترتيبات سياسية مغايرة.

وهكذا، تبدو المرحلة المقبلة مختلفة عن الأيام الأولى التي أعقبت الانتخابات؛ فالأحزاب لم تعد مطالبة فقط بتحديد ما إذا كانت تريد المشاركة من عدمها، بل بات عليها الدخول في مفاوضات فعلية حول شكل الحكومة وأولوياتها ومواقع مكوناتها. وفي المقابل، تواجه المنصوري مهمة جمع مواقف متباينة داخل أغلبية قابلة للحياة، مع الحفاظ على الانسجام السياسي الذي أعلنته بعض الأحزاب شرطاً أساسياً لأي مشاركة.

ومع بدء الجولة الجديدة من المشاورات، ينتقل تشكيل الحكومة من اختبار النوايا إلى اختبار القدرة على التوصل إلى تفاهمات عملية. فالتفويضات التي منحتها المجالس والهيئات الحزبية للقيادات لا تحسم وحدها شكل الأغلبية المقبلة، لكنها تمنح المفاوضين صلاحية الانتقال إلى المرحلة الأكثر دقة: التفاوض حول الحكومة التي ستخرج من نتائج الانتخابات، وتحديد التوازنات السياسية التي ستؤطر عملها خلال الولاية التشريعية الجديدة.