تستعد وزارة الداخلية لإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يقوم على تعزيز الإمكانات المالية للجهات، وتوسيع مشاركة المواطنين في تحديد الأولويات، وإعادة تنظيم آليات تنفيذ المشاريع وتتبعها، وذلك في إطار توجه يرمي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية بمختلف مناطق المملكة.
وكشف وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، عن أبرز ملامح هذا الورش خلال تقديم مشروع ميزانية وزارته برسم سنة 2027 أمام لجنة الداخلية بمجلس النواب، معلنا عن رفع الحد الأقصى للتحويلات المالية السنوية من الدولة إلى ميزانيات الجهات من 10 إلى 12 مليار درهم، ابتداء من سنة 2027، عبر تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات.
ويأتي هذا الإجراء تنفيذا للتعليمات الملكية الواردة في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025، وفي سياق تعزيز القدرات المالية للجهات وتكريس دورها باعتبارها محركا رئيسيا للتنمية الاقتصادية، وضمان استفادة جميع المواطنين من ثمار التنمية بمختلف المجالات الترابية.
وأوضح لفتيت أن الإصلاحات المرتبطة بهذا التوجه لا تقتصر على الجانب المالي، بل تشمل أيضا إعادة توزيع الاختصاصات الذاتية والمشتركة للجهات، إلى جانب تعديل القانون التنظيمي المتعلق بها، بما يسمح بإحداث شركات مساهمة يرأس مجالس إدارتها رؤساء الجهات، لتحل محل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع. ويروم هذا التغيير تحقيق التوازن بين متطلبات الحكامة والرقابة العامة، من جهة، ومرونة التدبير ونجاعة الأداء في إنجاز المشاريع، من جهة أخرى.
وعلى مستوى إعداد البرامج الجديدة، اعتمدت وزارة الداخلية مقاربة تشاركية تقوم على التنسيق بين مختلف الفاعلين والمتدخلين، وفق منهجية متكاملة تشمل المستويات المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية. وفي هذا الإطار، نظمت الوزارة حملات للاستماع والتشاور بمختلف عمالات وأقاليم المملكة، بمشاركة المواطنين والمنتخبين وممثلي المجتمع المدني والفاعلين المحليين.
وكشف وزير الداخلية أن هذه العمليات عرفت مشاركة أزيد من 86 ألف شخص، وأسفرت عن اقتراح برنامج أولي للمشاريع التنموية، تتصدر أولوياته إحداث فرص الشغل، وتعميم التزود بالماء الصالح للشرب، وتأهيل المؤسسات التعليمية وتعميم النقل المدرسي، وتجهيز المراكز الصحية، فضلا عن تأهيل المسالك والطرق القروية، بما يعزز جاذبية المجالات الترابية المستهدفة ويساهم في تحفيز نموها السوسيو-اقتصادي.
كما استند إعداد هذه البرامج إلى تشخيص ترابي يعتمد تحليل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، ورصد نقاط القوة والضعف بمختلف المناطق، بهدف توجيه التدخلات العمومية وملاءمتها مع الحاجيات الفعلية للسكان.
وبخصوص حكامة المشاريع، أفاد لفتيت بأنه تم وضع توزيع واضح للمسؤوليات بين مختلف المستويات الترابية؛ إذ تتولى اللجان الإقليمية مهام برمجة المشاريع ومتابعة تنفيذها والتشاور مع الساكنة المستهدفة، فيما تضطلع اللجان الجهوية بتجميع المشاريع وتنسيقها وضمان انسجامها.
أما على المستوى الوطني، فقد أُسندت مهمة المصادقة على البرامج إلى لجنة تضم القطاعات الوزارية المعنية، بتنسيق مع رئاسة الحكومة، مع اعتماد مؤشرات للتتبع والتقييم تروم ضمان نجاعة التنفيذ وتحقيق التقائية تدخلات مختلف القطاعات.
وفي سياق تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات، أعلن وزير الداخلية عن الشروع في إنشاء منصة رقمية تتيح للمواطنين والفاعلين المؤسساتيين الولوج إلى المعطيات المتعلقة بالتخطيط والبرمجة، والاطلاع على وضعية تقدم الأشغال ومراحل تنفيذ المشاريع، بما يسمح بتتبع منتظم لمختلف مكونات البرامج التنموية.
وتجمع التوجهات التي عرضها لفتيت بين تقوية الموارد المالية للجهات، وإشراك المواطنين في تحديد الحاجيات والأولويات، وتطوير الإطار المؤسساتي المكلف بتنفيذ المشاريع، إلى جانب إرساء آليات للتنسيق والتقييم والشفافية، في إطار الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.



