تستعد ساحة الاستقلال، في قلب العاصمة السنغالية دكار، لاحتضان معلمة معمارية ومالية جديدة من شأنها إعادة تشكيل جزء من المشهد الحضري للعاصمة، من خلال تشييد المقر المستقبلي لبنك «CBAO Groupe Attijariwafa bank».
ويعكس هذا المشروع، الذي يرتقب تسليمه سنة 2030، رسوخ حضور المجموعة المغربية في السنغال، كما يجسد توجهها نحو تعزيز امتدادها داخل القارة الإفريقية وتوسيع دورها في تمويل الاقتصادات الإقليمية.
وشهدت دكار، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، مراسم وضع الحجر الأساس للمشروع، بحضور الرئيس المدير العام لمجموعة التجاري وفا بنك، محمد الكتاني، ووزير التعمير والجماعات الترابية وإعداد التراب الوطني السنغالي، موسى بالا فوفانا.
ولا يقتصر هذا الاستثمار على إحداث مقر إداري جديد، بل يندرج ضمن مسار ترسيخ موقع المؤسسة البنكية في السوق السنغالية، وتعزيز حضور فاعل مصرفي مغربي ذي امتداد قاري.
ويتميز المشروع بأبعاده الهندسية، بالنظر إلى المساحة المحدودة للوعاء العقاري المخصص له، والتي لا تتجاوز 1800 متر مربع. وسيقام البرج على 18 طابقا بارتفاع يصل إلى 94 مترا، فيما تبلغ مساحته المبنية الإجمالية 26 ألفا و600 متر مربع، منها 17 ألفا و200 متر مربع مخصصة لفضاءات العمل.
واختير للمبنى تصميم معماري في شكل كتلة زجاجية متعددة الأوجه، تبرز فيها الهندسة العمودية، مع إدماج شق نباتي يمتد بالمساحات الخضراء من أسفل المبنى إلى قمته.
كما روعي في تصميمه احترام أكثر المعايير البيئية تطلبا، بهدف الحصول على شهادة «LEED Gold» للاستدامة والأداء البيئي للمباني.
وسيتضمن المقر الجديد، إلى جانب فضاءات العمل، قاعة متعددة الاستخدامات قابلة للتعديل بطاقة استيعابية تصل إلى 330 مقعدا، ووكالة بنكية مخصصة لكبار الزبناء، فضلا عن خدمة الاستقبال والمساعدة الشخصية «Conciergerie».
وتحت إدارة رشيد البوزيدي، تسعى المؤسسة إلى توفير بيئة عمل حديثة تستجيب للتحولات التي تعرفها أنشطتها ومهنها البنكية.
وبالتوازي مع وضع الحجر الأساس، شهدت المناسبة توقيع مذكرة تفاهم مهمة بين السلطات الحكومية وإدارة المؤسسة المالية، بهدف إرساء تقارب بين أولويات التنمية التي حددتها الدولة السنغالية ومشاريع التهيئة التي يقودها القطاع الخاص.
واعتبر وزير التعمير والجماعات الترابية وإعداد التراب الوطني، موسى بالا فوفانا، أن هذا الاستثمار يعكس ثقة راسخة في الآفاق الاقتصادية للبلاد، ويندرج ضمن الرؤية الحضرية «دكار، متروبول 2050».
وتكتسي هذه الاتفاقية أهمية خاصة، بالنظر إلى سعي السلطات السنغالية إلى جعل تحديث البنيات التحتية البنكية في قلب العاصمة رافعة لتعزيز جاذبيتها وتحسين استدامة إطار العيش بها، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها هذه المنطقة في الذاكرة الحضرية للعاصمة.
ووفق ما أوردته مجلة «Challenge»، فإن هذا التوجه يعكس رغبة في تحقيق تكامل بين المشاريع الاستثمارية الخاصة والاختيارات التنموية والعمرانية للدولة.
ويمتد البعد الاستراتيجي للمشروع إلى ما وراء السوق السنغالية، إذ يجسد التوجه الذي يدافع عنه محمد الكتاني، والقائم على مبدأ «إفريقيا تثق في إفريقيا».
ويرى رئيس المجموعة أن بناء فضاء اقتصادي إقليمي مندمج لا يمكن أن يعتمد على المبادرات السياسية وحدها، بل يحتاج أيضا إلى انخراط عملي للفاعلين الماليين في دعم المبادلات والاستثمارات داخل القارة.
وتتجسد هذه الاستراتيجية في التوسع المتواصل للتجاري وفا بنك بإفريقيا، والذي تعزز مؤخرا بالاستحواذ على «Société Générale» في غانا. ومن خلال توسيع شبكة أنشطتها عبر المغرب العربي والاتحاد النقدي لغرب إفريقيا (UMOA) والمجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا (CEMAC)، تعمل المجموعة المغربية على تعزيز موقعها كفاعل في تنشيط التدفقات التجارية بين بلدان الجنوب، ومحرك لتمويل الاقتصادات الناشئة.
ويستند الحضور الحالي لبنك «CBAO» في السنغال إلى تاريخ مؤسساتي عريق، تعود جذوره إلى سنة 1853، ما يجعله من بين أقدم المؤسسات المالية في المنطقة. أما مساره الحديث، فقد عرف تحولا متسارعا ابتداء من سنة 2006، مع الدخول التدريجي لمجموعة التجاري وفا بنك، تلاه الاستحواذ على البنك السنغالي التونسي، ثم امتصاص بنك «CBAO» التاريخي سنة 2008.
وأفضت هذه التحولات إلى نشأة أحد الأعمدة الأساسية للقطاع المالي السنغالي، القادر على الجمع بين تسويق الخدمات البنكية للأفراد ومواكبة المشاريع الكبرى للبنيات التحتية، بما عزز موقع المؤسسة في تمويل الأنشطة الاقتصادية والاستجابة لحاجيات مختلف الفاعلين.
وتؤكد المؤشرات المالية والتجارية حجم حضور البنك في السوق السنغالية؛ فمع نهاية سنة 2025، بلغ مجموع ميزانيته 1791 مليار فرنك إفريقي، مستندا إلى شبكة تضم 100 وكالة داخل السنغال، وأكثر من 1100 مستخدم، ومحفظة زبناء تقارب 450 ألف عميل.
وإلى جانب شبكته داخل السنغال، يتوفر البنك على مركزي أعمال محليين، وثلاثة فروع موزعة على مالي والنيجر وبوركينا فاسو، كما يواصل تنويع تدخلاته وخدماته لفائدة الأفراد والمقاولات والأسواق المالية.
وبهذه المقومات، يواصل «CBAO Groupe Attijariwafa bank» ترسيخ موقعه داخل المنظومة المالية السنغالية والإقليمية، فيما يشكل المقر الجديد بدكار امتدادا لمسار يجمع بين تحديث البنية التشغيلية للمؤسسة وتوسيع حضورها القاري، ويعزز دورها باعتبارها محركا رئيسيا للتحول الاقتصادي الإقليمي، من خلال دعم التمويل وتطوير الروابط التجارية والمالية بين اقتصادات المنطقة.



