أظهرت معطيات بنك المغرب استمرار ارتفاع حجم النقد المتداول في المملكة خلال سنة 2026، إذ بلغ نحو 540 مليار درهم مع نهاية يوليوز، في مؤشر على استمرار حضور التعاملات النقدية في الحياة الاقتصادية، رغم التطور المتواصل لوسائل الأداء الإلكتروني والخدمات البنكية الرقمية.
وتكشف هذه المستويات عن استمرار الاعتماد على «الكاش» في المعاملات اليومية، في وقت تتجه فيه المنظومة المالية نحو توسيع استخدام القنوات البنكية ووسائل الأداء الحديثة، بما يساهم في تعزيز الشمول المالي وإدماج مزيد من الأنشطة الاقتصادية ضمن الدورة المنظمة.
وتظهر معطيات تطور النقد المتداول خلال السنوات الماضية تسارع وتيرة نموه، إذ انتقل متوسط النمو السنوي من حوالي 6,2 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2019 إلى 10,6 في المائة ما بين 2020 و2024، قبل أن يستمر الاتجاه التصاعدي خلال سنة 2025.
وخلال السنة الجارية، تجاوز رصيد النقد المتداول 543 مليار درهم عند متم ماي 2026، قبل أن يسجل تراجعا محدودا ليستقر في حدود 540 مليار درهم مع نهاية يوليوز، وفقا للمعطيات المشار إليها.
وتشير هذه الأرقام إلى أن ارتفاع الطلب على السيولة النقدية لا يرتبط فقط بالظروف الاستثنائية التي طبعت فترة جائحة «كوفيد-19»، بل يعكس اتجاها ممتدا يطرح تساؤلات حول العوامل التي تواصل تغذية الطلب على النقد، ومدى قدرة وسائل الأداء البديلة على تغيير أنماط تعامل الأسر والفاعلين الاقتصاديين.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية مع انطلاق التحضيرات الخاصة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، عقب إصدار وزارة الاقتصاد والمالية، في 12 غشت الماضي، المذكرة التوجيهية المؤطرة لإعداده.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة تعبئة الموارد المالية وتوسيع الوعاء الجبائي ضمن النقاش المرتبط بالسيولة النقدية التي تظل خارج القنوات البنكية المنظمة، وما يمكن أن يتيحه إدماج جزء أكبر من هذه السيولة من إمكانات لتعزيز شفافية المعاملات وتوسيع نطاق الأنشطة الاقتصادية المصرح بها.
كما يعيد استمرار مستويات النقد المتداول تسليط الضوء على تجربة التسوية الطوعية للوضعية الجبائية للأشخاص الذاتيين، باعتبارها إحدى الآليات التي اعتمدتها الحكومة لمعالجة بعض الاختلالات المرتبطة بالتصريح بالموجودات والوضعيات الجبائية.
ويطرح استمرار الاعتماد على النقد، في المقابل، تحديا أمام مسار التحول نحو الأداء الإلكتروني، إذ لا يرتبط الانتقال إلى وسائل الدفع الحديثة بتوفر الخدمات الرقمية فقط، وإنما أيضا بمدى قدرتها على ترسيخ الثقة وتغيير أنماط التعامل وإدماج مزيد من المعاملات الاقتصادية في القنوات البنكية والرسمية.



