حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

لم تنطلق الحملة الانتخابية رسميا بعد، لكن الشارع المغربي يكاد يقول العكس. خيام ضخمة، منصات مجهزة، تجمعات تستقطب المئات والآلاف، تنقلات عبر المدن والأقاليم، صور وفيديوهات على مدار الساعة، وإعلانات رقمية ووعود تتسابق الأحزاب في تقديمها للمواطنين. مشهد يجعل السؤال مشروعا: إذا لم تكن هذه حملة انتخابية، فكيف ستكون الحملة عندما تبدأ رسميا؟

المسألة لا تتعلق بحق الأحزاب في عقد اجتماعاتها أو التواصل مع المواطنين، فهذا جزء طبيعي من العمل السياسي، وإنما بحجم الاستنفار الذي ظهر بالتزامن مع اقتراب صناديق الاقتراع. فكل خيمة لها تكلفة، وكل منصة لها تكلفة، وكل تجمع كبير يحتاج إلى نقل وتجهيز وصوت وصورة وتنظيم وتواصل، وكل حملة رقمية واسعة تحتاج إلى ميزانية.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاوزه: من يدفع فاتورة كل هذا؟

لا يمكن الحديث عن «ملايير السنتيمات» باعتبارها رقما مؤكدا دون الاطلاع على الحسابات والوثائق المالية للأحزاب والمرشحين، لكن حجم الإمكانات الظاهرة على الأرض يكفي ليفتح نقاشا جديا حول كلفة الأنشطة السابقة للحملة ومصادر تمويلها، والأهم حول كيفية التمييز محاسبيا بين الأموال التي تصرف اليوم وتلك التي ستسجل لاحقا ضمن نفقات الحملة الانتخابية.

الأخطر أن المنافسة السياسية قد تتحول تدريجيا من صراع برامج وأفكار إلى سباق في الإمكانات. الحزب الذي يمتلك المال والتنظيم يستطيع أن يكون في مدن متعددة في الوقت نفسه، وأن يحشد جمهورا أكبر، وأن يحتل مساحة أوسع على المنصات الرقمية، بينما يجد حزب أقل إمكانات نفسه أمام منافسة غير متكافئة حتى قبل إطلاق صافرة البداية.

التجمع الوطني للأحرار كان من الأحزاب التي حافظت على حضور ميداني وجولات داخل مناطق مختلفة من المغرب قبل الدخول في حرارة الاستحقاقات الحالية، مستندا إلى آلة تنظيمية وتواصلية وإمكانات كبيرة. لكن السؤال اليوم لم يعد موجها إلى حزب واحد. فمع اقتراب الانتخابات، دخلت أحزاب متعددة بدورها سباق التجمعات واللقاءات والإعلانات والوعود.

وهنا يحق للمواطن أن يسأل الجميع: أين كانت هذه التعبئة قبل الانتخابات؟

أين كانت كل هذه القدرة على الوصول إلى القرى والأقاليم عندما كان مواطن ينتظر موعدا للعلاج؟ وأين كانت هذه الإمكانات عندما كان تلميذ في دوار بعيد يبحث عن وسيلة نقل توصله إلى المدرسة؟ وأين كانت هذه الجيوش التنظيمية عندما كان شباب مناطق كاملة يبحثون عمن يحمل ملفات البطالة والعزلة وغياب الخدمات إلى المؤسسات المنتخبة؟

ليس المطلوب من الأحزاب أن تشتري سيارات إسعاف أو توزع المال والمواد الغذائية على المواطنين، فهذا ليس دورها وقد يتحول، خصوصا في زمن الانتخابات، إلى ممارسات تمس نزاهة الاقتراع. المطلوب شيء أكثر عمقا: أن تكون الأحزاب حاضرة طوال خمس سنوات بالتأطير والترافع والعمل الميداني ومواكبة المجتمع المدني، لا أن تكتشف «المغرب العميق» عندما يصبح لكل مواطن صوت يمكن أن يصنع مقعدا في البرلمان.

تخيلوا لو أن جزءا من الجهد التنظيمي والمالي المبذول في المهرجانات السياسية تحول، طوال السنوات الفاصلة بين الانتخابات وبشكل قانوني وشفاف، إلى دعم مبادرات مدنية مستقلة للنقل المدرسي والقوافل الطبية وتكوين الشباب ومحاربة الهدر المدرسي. وتخيلوا لو أن الحزب الذي ينصب اليوم خيمة ضخمة في إقليم بعيد أبقى مكتبه هناك مفتوحا بعد الانتخابات لاستقبال شكايات المواطنين والترافع عنها.

عندها لن يحتاج السياسي إلى إقناع المواطن كل خمس سنوات بأنه يعرف معاناته، لأن المواطن سيكون قد رآه إلى جانبه قبل أن يحتاج إلى صوته.

المشكل إذن ليس في الخيام، ولا في المنصات، ولا حتى في تنظيم التجمعات. المشكل أن تتحول السياسة إلى موسم ضخم للإنفاق والوعود والاستعراض، ثم تدخل في سبات طويل مباشرة بعد إغلاق صناديق الاقتراع.

والانتخابات المقبلة يجب أن تكون أيضا امتحانا للشفافية. المغاربة من حقهم أن يعرفوا، بعد انتهاء السباق، كم أنفقت الأحزاب والمرشحون، وعلى ماذا أنفقت الأموال، ومن أين جاءت، وهل كانت قواعد المنافسة متساوية بين الجميع.

فالديمقراطية لا تقاس بحجم المنصة، ولا بعدد الحافلات أمام التجمع، ولا بعدد المشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي. الديمقراطية تقاس بقدرة السياسة على تغيير حياة المواطن وبقاء المنتخب قريبا منه عندما تنطفئ الكاميرات.

واليوم، قبل أن تنطلق الحملة رسميا، يبدو أن السباق قد انطلق فعليا على الأرض. وبعد أسابيع ستفكك الخيام، وستطوى المنصات، وستعلن النتائج.

لكن السؤال الذي تضعه «جهات» أمام جميع الأحزاب سيبقى قائما: إذا كانت كل هذه الأموال والإمكانات قادرة على الوصول إلى أقصى قرية بحثا عن صوت، فلماذا تعجز عن الوصول إليها عندما يكون المواطن هو من يحتاج إلى السياسة؟