حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في الوقت الذي تنشغل فيه الأحزاب السياسية المغربية بحسابات تشكيل الحكومة المقبلة، وتتسابق بعض قياداتها نحو الحقائب الوزارية ومواقع النفوذ، بينما يستعد آخرون للتموقع في المعارضة، تعود قضية سبتة ومليلية إلى الواجهة لتطرح سؤالاً سياسياً بالغ الأهمية: أين موقع القضايا الوطنية الكبرى في أولويات الطبقة السياسية المغربية؟ إن الجدل الدائر حول الاستوزار وتوزيع المناصب والتحالفات الحكومية، وما يرافقه من تراشقات سياسية ومزايدات حزبية، يكشف عن اختلال واضح في ترتيب الأولويات، فالمعارضة ليست مجرد موقع لتصفية الحسابات أو ممارسة الاعتراض من أجل الاعتراض، كما أن المشاركة في الحكومة لا ينبغي أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها، بل يفترض أن يكون الطرفان في خدمة المصالح العليا للوطن. وفي خضم هذا المشهد، تبرز قضية سبتة ومليلية وما يحيط بها من تحركات ومواقف إسبانية، باعتبارها ملفاً يستحق نقاشاً وطنياً مسؤولاً، خصوصاً في ظل ما يثار بشأن زيارة الملك الإسباني إلى المدينتين، وهي مناسبة لإعادة طرح سؤال الترافع السياسي والدبلوماسي حول هذا الملف، بعيداً عن الشعارات الظرفية وردود الفعل الموسمية. فمن غير المقبول سياسياً أن تستنزف الأحزاب طاقاتها في معارك الحقائب والمناصب، بينما تغيب عن نقاشاتها العلنية ملفات استراتيجية مرتبطة بالسيادة والمصالح الوطنية. ومن حق المغاربة أن يتساءلوا: أين مواقف الأحزاب من قضية سبتة ومليلية؟ وأين المبادرات البرلمانية والدبلوماسية والحزبية الرامية إلى إبقاء هذا الملف حاضراً في النقاش السياسي؟ إن العلاقات المغربية الإسبانية، بما تحمله من مصالح اقتصادية وأمنية واستراتيجية مشتركة، تقتضي التعامل مع الملفات الحساسة بكثير من الحكمة والواقعية، دون أن يعني ذلك إقصاء القضايا التاريخية من النقاش الوطني أو التخلي عن حق إثارتها بالوسائل السياسية والدبلوماسية المشروعة. وإذا كانت قضية الصحراء المغربية قد أبانت عن أهمية التعبئة الوطنية والترافع الدبلوماسي المنظم، فإن ذلك يفرض على الأحزاب السياسية استيعاب درس أساسي، مفاده أن الدفاع عن المصالح العليا للمملكة لا يرتبط بالموقع داخل الحكومة أو خارجها، وإنما بمدى القدرة على بناء مواقف وطنية مسؤولة ومتواصلة. المغرب اليوم لا يحتاج إلى معارضة تهدم من أجل تسجيل النقاط، ولا إلى أغلبية تعتبر المناصب مكافآت سياسية، بل يحتاج إلى أحزاب تمتلك رؤية للدولة، وتدرك أن المسؤولية الوطنية أكبر من الحسابات الانتخابية وأوسع من حدود الحقائب الوزارية. إن قوة الدولة لا تقاس فقط بمتانة مؤسساتها، بل أيضاً بنضج نخبها السياسية وقدرتها على التمييز بين التنافس المشروع حول تدبير الشأن العام وبين القضايا التي تستوجب قدراً من الإجماع الوطني. فالتاريخ لن يسأل من حصل على هذه الوزارة أو تلك، ولا من ربح جولة من التراشق السياسي، بقدر ما سيسأل عما قدمته النخب السياسية دفاعاً عن المصالح العليا للمغرب. وحين تتحول السياسة إلى مجرد سباق نحو الكراسي، وتصبح المعارضة غاية في ذاتها، فإن الخاسر الحقيقي ليس حزباً أو تحالفاً، بل جودة الممارسة الديمقراطية وثقة المواطن في مؤسساته. سبتة ومليلية ليستا مجرد عنوان في سجال سياسي عابر، بل قضية تستحق نقاشاً تاريخياً ودبلوماسياً جاداً، أما المناصب الوزارية فزائلة، والمصالح العليا للوطن باقية.