لم يكن مسار رئاسة مجلس النواب المغربي، منذ أولى التجارب البرلمانية في ستينيات القرن الماضي، مجرد موقع لتدبير الجلسات وضبط النقاشات التشريعية؛ فقد ظل عنوانا لتحولات الحياة السياسية، ومرآة لتبدل المراحل الدستورية وتوازنات المؤسسات.
فمنذ سنة 1963، ارتبط مسار رئاسة مجلس النواب المغربي بالتحولات التي عرفتها الحياة السياسية والمؤسساتية بالمملكة، وبالتغيرات التي شهدها المشهد الحزبي وتوازنات الأغلبية والمعارضة.
وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، تعاقبت على هذا المنصب شخصيات سياسية متعددة، تولت مسؤولية تدبير أشغال الغرفة الأولى للبرلمان في مراحل مختلفة من تطور التجربة التشريعية المغربية، وصولاً إلى انتخاب أحمد التويزي رئيساً جديداً للمجلس في 13 أكتوبر 2026.
ولا يقتصر هذا المسار على توالي الأسماء والفترات الزمنية، بل يعكس جانباً من تطور الممارسة البرلمانية، وما صاحبها من تحولات دستورية وسياسية، فضلاً عن الأدوار التي اضطلعت بها رئاسة المجلس في تنظيم العمل التشريعي وتدبير النقاشات داخل المؤسسة المنتخبة.
وتعود أولى محطات هذا المسار إلى عبد الكريم الخطيب، الذي تولى رئاسة مجلس النواب بين سنتي 1963 و1965، خلال السنوات الأولى من التجربة البرلمانية المغربية. وبعد فترة من الانقطاع في التسلسل الزمني المنشور لرؤساء المجلس، انتقل المنصب إلى عبد الهادي بوطالب، الذي ترأس المؤسسة بين سنتي 1970 و1971، ثم المهدي بنبوشتة خلال الفترة الممتدة من 1971 إلى 1972.
وفي مرحلة لاحقة، تولى الداي ولد سيدي بابا رئاسة مجلس النواب بين سنتي 1977 و1983، قبل أن يخلفه أحمد عصمان، الذي استمر في المنصب من 1984 إلى 1992. ثم جاء دور جلال السعيد، الذي ترأس المجلس بين 1993 و1997، في فترة شهدت استمرار تطور العمل البرلماني ضمن السياق السياسي والمؤسساتي الذي طبع تلك المرحلة.
ويبرز اسم عبد الواحد الراضي ضمن الشخصيات التي ارتبطت رئاستها للمجلس بأكثر من فترة. فقد تولى المنصب بين سنتي 1997 و2002، ثم جُددت له الرئاسة خلال الفترة الممتدة من 2002 إلى 2007. وبعده، انتقلت الرئاسة إلى مصطفى المنصوري، الذي شغل المنصب بين 2007 و2010، قبل أن يعود عبد الواحد الراضي إلى رئاسة المجلس من أبريل 2010 إلى نونبر 2011.
ومنذ سنة 2011، دخلت رئاسة مجلس النواب مرحلة أخرى مع انتخاب كريم غلاب، الذي تولى المسؤولية إلى غاية سنة 2014. وخلفه راشيد الطالبي العلمي، الذي ترأس المجلس بين 2014 و2016، قبل أن يتولى الحبيب المالكي الرئاسة خلال الفترة الممتدة من 2016 إلى 2021.
وعاد راشيد الطالبي العلمي إلى رئاسة مجلس النواب سنة 2021، واستمر في المنصب إلى نهاية الولاية التشريعية الحادية عشرة سنة 2026، ليكون بذلك من الأسماء التي تولت هذه المسؤولية في فترتين منفصلتين. وانتهت ولايته بانتخاب أحمد التويزي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، رئيساً جديداً للمجلس يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026.
وحصل التويزي على 220 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، في اقتراع أفضى إلى انتقال رئاسة الغرفة الأولى إلى وجه سياسي جديد مع انطلاق الولاية التشريعية الثانية عشرة. وجاء هذا الانتخاب في سياق الترتيبات المؤسساتية التي أعقبت الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، وما أفرزته من توازنات حزبية جديدة داخل مجلس النواب.
ويشكل وصول التويزي محطة جديدة في مسار رئاسة المؤسسة التشريعية، بالنظر إلى المسؤوليات المرتبطة بهذا الموقع، سواء على مستوى الإشراف على الجلسات العامة، أو تنظيم عمل المجلس وأجهزته، أو ضمان سير المناقشات وفق القواعد المنظمة للعمل البرلماني.
وبين البدايات الأولى للتجربة البرلمانية المغربية وانتخاب رئيس جديد سنة 2026، تكشف لائحة الرؤساء المتعاقبين عن امتداد مؤسساتي تجاوز ستة عقود، تخللته فترات متباينة وعودة بعض الأسماء إلى المنصب في ولايات لاحقة.
كما تبرز ارتباط رئاسة مجلس النواب بالسياقات السياسية التي أفرزتها كل مرحلة، مع استمرار الدور المحوري للمؤسسة في التشريع ومراقبة العمل الحكومي ومواكبة النقاش العمومي.
ويظل هذا المسار التاريخي مدخلاً لفهم تطور رئاسة مجلس النواب، ليس باعتبارها مجرد مسؤولية يتداول عليها الفاعلون السياسيون، وإنما بوصفها موقعاً مؤسساتياً يتصل بعمل السلطة التشريعية وبكيفية تدبير التعددية داخل واحدة من أهم المؤسسات الدستورية في المغرب.



