حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

كلما اقترب إعداد قانون مالية جديد، تبدأ لغة الأرقام في احتلال الواجهة: نسب النمو، عجز الميزانية، المديونية، الاستثمار العمومي، النفقات والمداخيل. وهي مؤشرات ضرورية لقياس صحة الاقتصاد وتحديد قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها، لكن المواطن يقرأ الميزانية بطريقة مختلفة تماماً. لا يسأل أولاً عن النسبة الموجودة بعد الفاصلة، بل عن ثمن المواد التي يشتريها، وفرصة العمل التي يبحث عنها ابنه، وموعده في المستشفى، ومدرسة أطفاله، والسكن الذي يستطيع تحمله، والطريق والخدمة العمومية في المدينة أو القرية التي يعيش فيها. ومن هنا فإن الرهان الحقيقي لمشروع قانون مالية 2027 لن يكون فقط في تحقيق التوازن بين المداخيل والنفقات، وإنما في تحويل الخيارات الاقتصادية الكبرى إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
المغرب يدخل مرحلة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة في ترتيب الأولويات. هناك أوراش بنية تحتية كبرى، واستعدادات لاستحقاقات دولية، واستثمارات في الماء والطاقة والنقل والصناعة، وفي المقابل توجد مطالب اجتماعية واضحة مرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم وتقليص الفوارق بين الجهات. والتحدي ليس الاختيار بين الاستثمار والتنمية الاجتماعية، لأن الدولة الحديثة تحتاج إلى الاثنين معاً، بل إيجاد الطريقة التي تجعل كل درهم يتم استثماره قادراً على إنتاج أكبر أثر اقتصادي واجتماعي ممكن.
فالطريق الجديدة ليست مشروعاً إسمنتياً فقط إذا اختصرت زمن وصول الفلاح إلى السوق، والمطار ليس بناية للنقل وحدها إذا جلب السياح والاستثمارات إلى جهة تحتاج إلى فرص العمل، والمستشفى ليس مجرد مبنى إذا توفر داخله الطبيب والتجهيز والدواء، والمدرسة لا تقاس بعدد الحجرات فقط إذا لم تتحسن جودة التعلم داخلها.
لهذا فإن ميزانية 2027 تحتاج إلى الانتقال أكثر من منطق تمويل المنشآت إلى منطق قياس النتائج.
وفي مقدمة ما ينتظره المواطن تأتي القدرة الشرائية. فقد أصبحت الأسرة المغربية أكثر حساسية لأي تغير في أسعار الغذاء والنقل والسكن والطاقة والخدمات. والمشكلة أن القدرة الشرائية لا تتحسن فقط عبر زيادة الدخل، بل أيضاً عبر التحكم في الكلفة التي تلتهم ذلك الدخل.
قد يرتفع راتب المواطن، لكن إذا ارتفعت معه مصاريف السكن والغذاء والنقل والتعليم، فإن التحسن يختفي قبل نهاية الشهر. ولهذا فإن حماية القدرة الشرائية تحتاج إلى سياسة متكاملة تجمع بين المنافسة ومراقبة الأسواق ودعم الفئات التي تحتاج إليه فعلاً وتحسين النقل العمومي وتشجيع الإنتاج المحلي وتقليص حلقات الوساطة التي لا تضيف قيمة حقيقية للمنتج.
الدعم بدوره يحتاج إلى أن يكون أكثر ذكاء. فكل درهم توجهه الدولة لمساندة المواطن يجب أن يصل بأكبر قدر ممكن إلى المستفيد المقصود، لا أن يتبدد عبر سلسلة طويلة من الوسطاء أو يستفيد منه من لا يحتاج إليه.
الرقمنة وتطوير قواعد البيانات يمكن أن يمنحا المغرب فرصة لبناء سياسات اجتماعية أكثر دقة، بحيث يصبح الدعم موجهاً إلى الإنسان الذي يحتاج إليه بدل دعم الأسعار بصورة عامة حين يكون الاستهداف المباشر أكثر عدلاً وفعالية.
أما التشغيل، فهو ربما الامتحان الأصعب.
فالمغرب يستطيع بناء مشاريع كبرى وجذب استثمارات دولية، لكن المواطن لن يقيس نجاح هذه الاستثمارات بقيمة الاتفاقيات الموقعة وحدها. سيقيسها بعدد فرص العمل التي خلقتها، وبنوعية هذه الوظائف، وبالأجور، وبقدرتها على منح الشباب مساراً مهنياً مستقراً.
ولهذا فإن ميزانية 2027 ينبغي أن تجعل من كل استثمار عمومي أو تحفيز اقتصادي سؤالاً مباشراً: كم وظيفة سيخلق؟ وما المهارات التي يحتاج إليها؟ وهل توجد هذه المهارات داخل الجهة التي سيقام فيها المشروع؟
إن ربط الاستثمار بالتكوين المهني والجامعة يمكن أن يختصر مسافة كبيرة بين النمو والتشغيل. فإذا كانت منطقة تستقبل مصنعاً جديداً، فمن المنطقي أن تبدأ مؤسسات التكوين قبل افتتاحه في إعداد الشباب للمهن التي سيحتاج إليها. بهذه الطريقة لا يصبح المستثمر مضطراً إلى البحث عن العمالة المؤهلة بعيداً، ولا يجد شباب المنطقة أنفسهم يشاهدون مشروعاً كبيراً أقيم بجوارهم دون أن يكون لهم نصيب كافٍ من فرصه.
والمقاولات الصغيرة والمتوسطة يجب أن تكون في قلب هذه المعادلة. فالاقتصاد لا يستطيع الاعتماد فقط على الشركات الكبرى مهما بلغت قوة استثماراتها. فرص العمل الواسعة تنتج أيضاً داخل آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة المنتشرة في مختلف المدن.
هذه المقاولات تحتاج إلى التمويل، لكنها تحتاج كذلك إلى السوق.
وأحد أكبر الأسواق الموجودة هو الطلب العمومي. لذلك يمكن للصفقات العمومية أن تتحول إلى أداة أقوى لدعم الاقتصاد المحلي، مع احترام المنافسة والجودة، عبر تسهيل وصول المقاولات الصغيرة إلى جزء أكبر من الفرص وعدم جعل الشروط التقنية والمالية حاجزاً لا تستطيع تجاوزه إلا الشركات الكبيرة.
كما أن آجال الأداء تظل مسألة حاسمة. لا معنى لدعم المقاولة بقرض ثم جعلها تنتظر أشهراً للحصول على مستحقاتها. السيولة بالنسبة للشركة الصغيرة ليست تفصيلاً محاسبياً، وإنما أوكسجين يسمح لها بدفع الأجور والاستمرار.
وفي الصحة، ينتظر المواطن شيئاً بسيطاً في صياغته وصعباً في تنفيذه: أن يجد العلاج عندما يحتاج إليه.
المغرب يعرف توسعاً في البنيات الصحية وإصلاحات مهمة، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى جعل الموارد البشرية وجودة الخدمة في قلب الاستثمار. فالمستشفى الحديث دون أطباء وممرضين وتقنيين بالعدد الكافي لا يستطيع تحقيق الهدف الذي بني من أجله.
والعدالة الصحية تبدأ من الجغرافيا. المواطن في قرية بعيدة لا ينبغي أن يقطع مسافات طويلة من أجل فحص يمكن توفيره قريباً منه. ويمكن للتطبيب عن بعد والوحدات الصحية المتنقلة والرقمنة أن تقلل جزءاً من هذا التفاوت إذا تم إدماجها ضمن شبكة صحية متكاملة.
أما التعليم، فلا توجد ميزانية للمستقبل يمكن أن تعتبره قطاعاً عادياً بين القطاعات. إنه الاستثمار الذي يحدد بعد عشر سنوات نوع الاقتصاد الذي سيكون لدينا.
المغرب الذي يريد صناعة متقدمة وذكاء اصطناعياً واقتصاداً رقمياً وطاقات متجددة وسياحة ذات قيمة عالية يحتاج إلى مدرسة تنتج المهارات القادرة على تشغيل كل ذلك.
المطلوب ليس فقط ميزانية أكبر، وإنما مردودية أكبر لكل درهم ينفق على التعليم: مستوى أفضل في اللغات والرياضيات والعلوم والمهارات الرقمية، ومدرس مؤهل ومحفز، ومدرسة قادرة على منح الطفل فرصة حقيقية بغض النظر عن دخل أسرته أو المنطقة التي ولد فيها.
ثم تأتي قضية الجهات.
نجاح الاقتصاد المغربي لا ينبغي أن يعني أن يستمر جزء كبير من الفرص في الدوران حول عدد محدود من المدن. هناك طاقات بشرية وثروات وإمكانات سياحية وفلاحية وصناعية في مختلف مناطق المملكة، لكن تحويلها إلى اقتصاد يحتاج إلى بنية أساسية واستثمار وتمويل وربط جيد بالأسواق.
ميزانية 2027 تستطيع أن تجعل الجهوية أكثر وضوحاً في حياة المواطن إذا أصبح لكل استثمار سؤال مجالي: ماذا سيغير في هذه الجهة؟
ليس المطلوب أن تمتلك كل مدينة مصنع سيارات أو مشروعاً عملاقاً، بل أن تبني كل جهة اقتصادها انطلاقاً من نقاط قوتها. ورزازات تستطيع أن تتطور حول السينما والسياحة، والداخلة حول الاقتصاد البحري والسياحة واللوجستيك، والرشيدية وتافيلالت حول الواحات والصحراء والمنتجات المجالية، وجهات أخرى حول الصناعة والفلاحة والخدمات والتكنولوجيا.
التنمية ليست أن نصنع نسخة من الدار البيضاء في كل مكان، بل أن نمنح كل منطقة الأدوات التي تسمح لها بتحويل خصوصيتها إلى قيمة اقتصادية.
وفي كل ذلك يبقى سؤال تمويل السياسات العمومية قائماً. فلا توجد ميزانية بلا حدود، وكل درهم ينفق في مجال يعني بالضرورة أنه لم ينفق في مجال آخر. ولذلك تصبح الأولوية للكفاءة ومحاربة الهدر وتسريع تنفيذ المشاريع.
المشروع الذي تخصص له ميزانية ثم يتأخر سنوات لا يكلف الدولة المال فقط، بل يكلف المجتمع فرصاً ضائعة. والمرفق الذي يتم بناؤه ثم لا يعمل بكامل طاقته يمثل رأسمالاً مجمداً كان يمكن أن ينتج خدمة أو وظيفة أو نمواً.
لهذا فإن جودة الإنفاق قد تكون أحياناً أهم من حجمه.
ويمكن للمواطن نفسه أن يصبح جزءاً من مراقبة هذه الجودة إذا أصبحت البيانات أكثر وضوحاً وسهولة. من حقه أن يعرف ماذا خصص لمدينته، وما المشاريع التي ستنجز، ومتى ستنتهي، وما الذي تحقق منها.
فالشفافية لا تخدم الرقابة فقط، بل تبني الثقة.
ومشروع مالية 2027 ستكون أمامه فرصة مهمة لإرسال رسالة واضحة: أن الأوراش الكبرى التي يعرفها المغرب ليست منفصلة عن حياة المواطن، وإنما يفترض أن تكون طريقاً نحو تحسينها.
فالميناء والاستثمار والمصنع والطريق والسد ومحطة التحلية ليست أهدافاً في حد ذاتها. الهدف النهائي هو اقتصاد أقوى يستطيع خلق الوظائف وتمويل المدرسة والمستشفى وحماية الفئات الهشة وتحسين مستوى العيش.
وحين تعرض أرقام الميزانية، سيقرأها الاقتصادي بلغة النمو والعجز والاستثمار، وسيقرأها المستثمر بلغة الفرص والاستقرار، لكن المواطن سيظل يقرأها بطريقته الخاصة.
سيفتح ثلاجته، وينظر إلى فاتورة الشهر، ويسأل ابنه إن وجد عملاً، ويتذكر موعده في المستشفى، ويرى مستوى مدرسة أطفاله والطريق أمام منزله.
هناك، وليس في الجداول وحدها، ستنجح ميزانية 2027 أو تفشل في إقناعه.
فالميزانية الأقوى ليست بالضرورة التي تنفق أكثر، بل التي تجعل المواطن يشعر أن المال العام عاد إليه في صورة فرصة وعلاج وتعليم وخدمة وكرامة.