مدارس الفرصة الثانية.. نموذج تعليمي يثبت نجاعته في مواجهة الهشاشة وإعادة إدماج الشباب
تمثل «مدارس الفرصة الثانية» تجربة تربوية واجتماعية تسعى إلى منح الشباب الذين انقطعوا عن الدراسة أو واجهوا صعوبات في المسار التعليمي فرصة جديدة للعودة إلى التعلم وبناء مستقبل مهني أكثر استقراراً. وقد أثبت هذا النموذج قدرته على تحقيق نتائج إيجابية، لكنه يظل في حاجة إلى تطوير مستمر لمواجهة عدد من التحديات التي قد تحد من فعاليته واستدامته.
وتستهدف مدارس الفرصة الثانية، بالأساس، الشباب الذين وجدوا أنفسهم خارج المنظومة التعليمية أو يواجهون صعوبات في الاندماج داخلها، من خلال توفير مسارات تعليمية وتكوينية أكثر مرونة، تراعي أوضاعهم الاجتماعية والنفسية ومستوياتهم الدراسية المختلفة.
ولا تقتصر هذه المؤسسات على استدراك التعلمات الأساسية، بل تعمل أيضاً على تطوير المهارات الشخصية والاجتماعية والمهنية، ومساعدة المستفيدين على اكتشاف قدراتهم والاستعداد للاندماج في سوق الشغل أو العودة إلى مسار تعليمي وتكويني مناسب.
وتكمن أهمية هذا النموذج في كونه لا ينظر إلى الانقطاع عن الدراسة باعتباره نهاية المسار، وإنما باعتباره مرحلة يمكن تجاوزها عبر توفير الدعم والتأطير المناسبين. فالكثير من الشباب يحتاجون إلى بيئة تعليمية مختلفة، تقوم على الاستماع والمواكبة الفردية أكثر من اعتمادها على المقاربة المدرسية التقليدية.
غير أن مدارس الفرصة الثانية تواجه بدورها مجموعة من مواطن الهشاشة. ويأتي في مقدمتها محدودية الموارد البشرية والمادية، إذ يتطلب هذا النوع من التعليم أطرًا متخصصة قادرة على التعامل مع حالات اجتماعية وتعليمية متنوعة، إضافة إلى توفير فضاءات وتجهيزات ملائمة للتكوين والتعلم.
كما تمثل استمرارية المستفيدين تحدياً آخر، خصوصاً أن الفئات المستهدفة قد تكون معرضة لضغوط اجتماعية واقتصادية تجعل الالتزام بالمسار التكويني أمراً صعباً. ولذلك فإن الحد من الانقطاع مجدداً يتطلب مواكبة مستمرة تشمل الجانب النفسي والاجتماعي، وليس التعليم وحده.
وتبرز كذلك أهمية الربط بين التكوين وحاجيات سوق العمل. فنجاح مدرسة الفرصة الثانية لا يقاس فقط بعدد الشباب الذين يلتحقون بها، وإنما بقدرتها على منحهم مهارات حقيقية تفتح أمامهم أبواب التشغيل أو التكوين المتخصص أو إنشاء مشاريعهم الخاصة.
ومن أجل تعزيز هذا النموذج، تبدو الحاجة قائمة إلى توسيع الشراكات بين المؤسسات التعليمية والفاعلين الاقتصاديين والجمعيات والسلطات المحلية، بما يسمح بتوفير فرص للتدريب واكتساب الخبرة العملية، ويفتح أمام المستفيدين مسارات واقعية بعد انتهاء فترة التكوين.
كما أن تطوير آليات تقييم دقيقة يظل ضرورياً لمعرفة النتائج الفعلية لهذه المدارس على المدى المتوسط والبعيد، وتحديد نقاط القوة والضعف، وتكييف البرامج وفقاً لاحتياجات الشباب والتغيرات التي يعرفها المجتمع وسوق الشغل.
وتؤكد تجربة مدارس الفرصة الثانية أن معالجة الهدر المدرسي لا تتطلب فقط إعادة الشباب إلى مقاعد الدراسة، بل تحتاج إلى إعادة بناء الثقة في الذات ومنحهم إحساساً بإمكانية النجاح. فكل شاب يعود إلى التعلم ويكتسب مهارة جديدة يمثل فرصة جديدة للاندماج والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وبينما يثبت هذا النموذج قدرته على تغيير مسارات العديد من الشباب، فإن مستقبله سيظل مرتبطاً بمدى قدرة المنظومة التعليمية والاجتماعية على معالجة مواطن الهشاشة التي تحيط به، وتحويل «الفرصة الثانية» من مبادرة للتدارك إلى مسار مؤسساتي مستدام يضمن للشباب حقهم في التعلم والاندماج وبناء مستقبل أفضل.



