حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

تضع التقلبات المسجلة في أسعار اللحوم والخضر والفواكه بمدينة الدار البيضاء القدرة الشرائية للأسر المغربية أمام اختبار جديد، في وقت ينتظر فيه المواطنون من الحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، عن حزب الأصالة والمعاصرة، الانتقال من الوعود الانتخابية إلى إجراءات ملموسة تخفف كلفة المعيشة، وتعيد التوازن إلى ميزانيات الأسر التي تستنزفها النفقات اليومية.

وتكشف المعطيات الأسبوعية الصادرة عن شركة «الدار البيضاء للخدمات» (Casablanca Prestations)، والتي نشرتها صحيفة «Le Matin» في 14 أكتوبر الجاري، عن تفاوت واضح في اتجاهات الأسعار داخل أسواق الجملة والمجازر بالدار البيضاء؛ فبينما سجلت بعض الفواكه تراجعاً، واصلت خضر أساسية ارتفاعها، بالتزامن مع زيادة الحد الأدنى لسعر اللحوم البقرية، مقابل انخفاض الحد الأقصى للحوم الأغنام.

وهي تحركات لا تعني بالضرورة تراجعاً عاماً في كلفة التسوق، ولا تؤكد أن الانخفاضات المسجلة بالجملة وصلت بكامل أثرها إلى المستهلك النهائي.

ففي قطاع اللحوم الحمراء، ارتفع السعر الأدنى للحوم البقرية من 79 إلى 82 درهماً للكيلوغرام، بينما استقر السعر الأقصى عند 108 دراهم. وفي المقابل، تراجع السعر الأقصى للحوم الأغنام من 118 إلى 115 درهماً، مع بقاء الحد الأدنى في حدود 110 دراهم للكيلوغرام.

وتعيد هذه الأرقام النقاش حول قدرة الأسر على الاستمرار في اقتناء اللحوم الحمراء ضمن ميزانياتها المعتادة، خصوصاً أن الأسعار المسجلة في المجازر لا تمثل بالضرورة المبالغ التي يؤديها المواطن لدى الجزار. فالفارق بين سعر الجملة وسعر البيع بالتقسيط يظل عاملاً أساسياً في تحديد الكلفة الفعلية التي يتحملها المستهلك.

ولا تختلف الصورة كثيراً بالنسبة إلى الخضر، التي تشكل مكوناً رئيسياً في الاستهلاك اليومي للأسر. فقد ارتفع سعر الجزر إلى ما بين درهمين وأربعة دراهم للكيلوغرام، مقابل 1.50 و3.50 دراهم في الأسبوع السابق. كما انتقل سعر البصل الأخضر من نطاق يتراوح بين 2.50 وأربعة دراهم إلى ثلاثة دراهم و4.50 دراهم، فيما ارتفع سعر البطاطس إلى ما بين 3.50 وستة دراهم، مقابل ثلاثة و5.50 دراهم سابقاً.

وفي المقابل، تراجع الحد الأقصى لسعر الكوسة من تسعة دراهم إلى ثمانية دراهم للكيلوغرام، بينما استقرت أسعار الطماطم بين 2.50 و6.50 دراهم. وظلت أسعار القرع بين درهمين و5.50 دراهم، والبصل الجاف بين ثلاثة و4.80 دراهم، والقرنبيط بين 1.50 وثلاثة دراهم، والملفوف الأبيض بين 1.20 و2.50 دراهم، والخيار بين 3.50 وستة دراهم، والباذنجان بين ثلاثة وستة دراهم.

أما الفواكه، فقد سجلت بعض الأصناف تراجعاً قد يتيح هامشاً محدوداً لتخفيف نفقات التسوق. وانخفض الحد الأقصى لسعر الأفوكادو من 25 إلى 23 درهماً للكيلوغرام، مع استقرار الحد الأدنى عند 15 درهماً. كما تراجعت أسعار الرمان من أربعة إلى سبعة دراهم، إلى ثلاثة وستة دراهم، فيما انتقلت الكليمنتين من نطاق يتراوح بين أربعة و7.50 دراهم إلى ثلاثة وستة دراهم.

في المقابل، ارتفع الحد الأدنى لسعر العنب من 3.50 إلى أربعة دراهم، مع استقرار الحد الأقصى عند تسعة دراهم. وحافظ الموز المستورد على أسعار تتراوح بين تسعة و14 درهماً، والموز المحلي بين تسعة و11 درهماً، والبرتقال بين أربعة و6.50 دراهم، والتفاح المحلي بين خمسة وتسعة دراهم، فيما تراوح سعر التفاح المستورد بين 12 و20 درهماً للكيلوغرام.

لكن الرهان الحقيقي بالنسبة إلى الأسر لا يتعلق بمجرد تسجيل انخفاضات متفرقة، بل بمدى انعكاسها على الفاتورة الإجمالية للتسوق. فاستقرار بعض الأسعار أو تراجعها لا يكفي وحده لتعويض ارتفاع أصناف أخرى، كما أن المواطن لا يشتري المنتجات وفق مؤشرات أسواق الجملة، وإنما وفق الأثمان المعروضة في محلات البيع والأسواق القريبة من سكنه.

ومن هنا، تكتسب الوعود التي قدمها حزب الأصالة والمعاصرة خلال الانتخابات التشريعية أهمية خاصة مع انتقاله إلى قيادة الحكومة. فقد وضع الحزب القدرة الشرائية ضمن أولوياته، وخصص لها، وفق برنامجه للفترة 2027-2031، غلافاً مالياً معلناً قدره 150 مليار درهم، ضمن برنامج إجمالي تقدر كلفته الإضافية بنحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات.

ويتضمن البرنامج إجراءات تستهدف تخفيف الأعباء عن الأسر، من بينها مراجعة الضريبة على الدخل، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً من 500 إلى ألف درهم شهرياً وفق الاستهداف المعتمد، فضلاً عن مجانية فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهرياً، بحسب الالتزامات المعلنة للحزب. كما يقترح إحداث ست شركات جهوية لتوزيع المنتجات الفلاحية، بهدف تقليص عدد الوسطاء بين المنتجين وتجار التقسيط، إلى جانب تحديث أسواق الجملة.

وتبرز أهمية هذا المحور الأخير في ارتباطه المباشر بمسار انتقال المنتجات من الضيعات إلى المستهلك. فتقليص حلقات الوساطة وتحسين شروط التسويق والتوزيع يمكن أن يساهما في الحد من التكاليف غير الضرورية، لكن نجاح هذه التدابير سيظل رهيناً بطريقة تنفيذها، وشفافية المعاملات، ومدى انتقال أي وفورات محققة إلى الأسعار النهائية، بدل اقتصار أثرها على حلقات أخرى من سلسلة التوزيع.

وفي السياق نفسه، دعت الفيدرالية الوطنية لجمعيات المستهلك إلى وضع غلاء المعيشة ضمن أولويات الحكومة المقبلة، واقترحت إحداث مرصد وطني للأسعار والقدرة الشرائية، يتولى تتبع تطور الأثمان ورصد الفوارق بين المناطق، والمساهمة في كشف الممارسات المضرة بالمنافسة وتعدد الوسطاء. كما شددت على تعزيز الشفافية في تحديد أسعار المحروقات، ونشر تفاصيل مكوناتها وهوامش الربح المعتمدة في مختلف مراحل التوزيع.

وبالنسبة إلى حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لن يكون التحدي مقتصراً على إعلان برامج اجتماعية أو تخصيص اعتمادات مالية، بل سيمتد إلى إثبات قدرة السياسات المعتمدة على إحداث تغيير ملموس في الحياة اليومية للمواطنين.

فالمغاربة ينتظرون سوقاً أكثر شفافية، ومنافسة فعلية تحد من الممارسات غير المشروعة، ومراقبة أكثر نجاعة لمسالك التوزيع، إلى جانب إجراءات تحمي الفئات ذات الدخل المحدود من تآكل قدرتها الشرائية.

ويبقى المعيار الأكثر وضوحاً لقياس نجاح هذه الالتزامات هو ما ستكشف عنه الفواتير اليومية للأسر: هل ستصبح مشترياتها الأساسية أقل كلفة؟ وهل ستصل التخفيضات المسجلة في أسواق الجملة إلى المستهلك؟ وهل ستتمكن التدابير الحكومية من الحد من التفاوت بين أسعار المنتجات عند خروجها من مصادر الإنتاج والأثمان التي تباع بها في الأسواق؟

تلك هي الأسئلة التي ستحدد، عملياً، مدى وفاء الحكومة بوعودها الاجتماعية؛ لأن حماية القدرة الشرائية لا تتحقق بالأرقام المعلنة وحدها، بل بقدرة المواطن على ملاحظة أثرها المباشر في مصروفه اليومي.