حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

أكد الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، أن الرقابة القضائية على الصفقات العمومية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها رقابة تعيق المبادرة أو تحد من فعالية العمل الإداري، وإنما باعتبارها ضمانة أساسية لترسيخ الثقة في المؤسسات، وحماية المال العام، وتحقيق التوازن بين الحقوق والالتزامات، بما يكفل استدامة المشاريع العمومية ويعزز جودة تدبيرها.

وأوضح عبد النباوي، اليوم الإثنين في كلمة بمناسبة افتتاح الدورة التكوينية حول “الرقابة القضائية على الصفقات العمومية والقرارات الإدارية”، أن ما راكمه القضاء الإداري المغربي، وفي مقدمته محكمة النقض، من اجتهادات رصينة في هذا المجال، أسهم في بناء منظومة قضائية متطورة تراعي خصوصيات العمل الإداري وتستجيب لمتطلبات دولة القانون، وهو ما جعل من الاجتهاد القضائي الإداري أحد المكونات الأساسية للأمن القضائي، وأحد العوامل الداعمة لاستقرار المعاملات وتعزيز الثقة في البيئة المؤسساتية ببلادنا.

وأشار إلى أن تعزيز المعرفة بالاجتهاد القضائي الإداري لم تعد تهم القضاة وحدهم، بل أصبحت ضرورة مشتركة بالنسبة لجميع المتدخلين في تدبير الشأن العام، بالنظر لما يتيحه من فهم أدق لحدود الاختصاصات، ولمقتضيات المشروعية، وللسبل الكفيلة بالوقاية من النزاعات وتجويد الأداء الإداري.

وشدد على أن الأهمية التي يكتسيها الاجتهاد القضائي في مجال الصفقات العمومية لا تتوقف عند حدود ضمان التطبيق السليم للقانون أو حسم المنازعات المعروضة على القضاء، وإنما تمتد إلى الإسهام في ترسيخ أحد المقومات الأساسية للدولة الحديثة، والمتمثل في الأمن القانوني والقضائي.

وزاد شارحا “كلما كانت القواعد القانونية واضحة، وكانت المبادئ القضائية مستقرة ومنسجمة، تعززت قدرة مختلف الفاعلين على استشراف الآثار القانونية المترتبة على تصرفاتهم، واتسعت دائرة الثقة في المؤسسات، وتوفرت شروط أكبر للاستقرار في المعاملات والعلاقات القانونية”.

ومن هذا المنطلق، يرى عبد النباوي أن استقرار الاجتهاد القضائي وتوحيد تفسير النصوص القانونية في مجال الصفقات العمومية يشكل ركيزة أساسية لضمان وضوح الإطار القانوني الذي يشتغل داخله كل من الإدارة والمتعاملين معها، كما يسهم في الحد من حالات عدم اليقين، وفي توجيه الممارسة العملية نحو حلول أكثر انسجاماً مع مبادئ المشروعية والحكامة الجيدة.

ولفت إلى أن ذلك له آثار إيجابية على مناخ الأعمال والاستثمار، باعتبار أن الثقة في المؤسسات لا تبنى فقط على جودة النصوص القانونية، وإنما أيضاً على وضوح كيفية تطبيقها واستقرار تأويلها القضائي، مضيفا أن ‘المستثمر، شأنه شأن الإدارة، يحتاج إلى بيئة قانونية وقضائية تتسم بالوضوح والانسجام وقابلية التوقع، بما يمكنه من اتخاذ قراراته في إطار من الثقة والاستقرار”.

وأكد أن ضمان سلامة توظيف الصفقات العمومية ونجاعة تدبيرها يظل رهيناً بوجود منظومة قانونية وقضائية قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل الإداري ومقتضيات المشروعية، لافتا إلى المكانة الخاصة التي يحتلها القضاء الإداري داخل دولة القانون والمؤسسات.

وأوضح أن القضاء الإداري لم يعد يضطلع بدور يقتصر على الفصل في المنازعات المعروضة عليه بعد نشوئها فقط، وإنما أصبح، من خلال ما راكمه من اجتهادات ومبادئ قضائية، فاعلاً مؤسساتياً يسهم في تأطير العمل الإداري وترشيده، وفي ترسيخ الحكامة القانونية للقرار العمومي، بما يضمن انسجامه مع أحكام القانون وتحقيقه للغايات التي شُرِّع من أجلها.

وأفاد بأن القضاء الإداري أصبح مطالبا؛ ليس فقط بحماية الحقوق والحريات وضمان احترام القانون، وإنما أيضا بمواكبة التحولات التي يعرفها العمل العمومي، من خلال إيجاد الحلول القانونية الكفيلة بتحقيق التوازن بين متطلبات الفعالية الإدارية وضمانات المشروعية.

وأبرز الرئيس الأول لمحكمة النقض أن أهمية هذا الدور تتجلى بصفة خاصة في مجال الصفقات العمومية، حيث يلتقي منطق السلطة بمنطق القانون، ومتطلبات التنمية بمقتضيات حماية الحقوق، وضرورة سرعة الإنجاز بواجب احترام قواعد المنافسة والشفافية والمساواة.

وذكر بهذا الصدد بأن الاجتهاد القضائي الإداري، عبر مختلف المراحل التي عرفها تطوره، أسهم في بلورة مجموعة من المبادئ والقواعد التي لم يقتصر أثرها على حسم المنازعات المعروضة على القضاء، بل امتد إلى توجيه الممارسة الإدارية نفسها، وتوضيح الحدود القانونية لممارسة السلطة التقديرية، وتحديد الضوابط الواجب مراعاتها عند اتخاذ القرارات أو تدبير العلاقات التعاقدية للإدارة.

وشدد المسؤول ذاته على أن إحدى أهم الوظائف التي يضطلع بها القضاء الإداري اليوم تتمثل في دوره الوقائي. فالقيمة الحقيقية للاجتهاد القضائي لا تقاس فقط بما يوفره من حلول للنزاعات القائمة، وإنما أيضاً بقدرته على استباق النزاع والحد من أسبابه من خلال إرساء قواعد واضحة ومستقرة تمكن مختلف الفاعلين من استشراف النتائج القانونية المترتبة على تصرفاتهم، وتساعد الإدارة على بناء قراراتها وممارساتها في إطار من الوضوح واليقين القانوني.