من جنوب غرب المغرب إلى العاصمة الإيطالية روما، تحمل شجرة الأركان قصة علاقة متوارثة بين الإنسان والأرض، تختزلها بذورها وزيتها والمعارف المرتبطة باستغلالها. وقد حضرت هذه الشجرة المغربية في المنتدى العالمي للأغذية 2026، من خلال معرض «من البذور إلى الأغذية» بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، في خطوة تتيح للزوار اكتشاف خصوصيتها البيئية والفلاحية والثقافية.
واختارت المنظمة عرض بذور الأركان وزيته داخل فضاء «أتريوم»، الذي يحتضن المعرض الرئيسي للمنتدى، لتسليط الضوء على تنوع الموارد الفلاحية وأهمية المعارف التي راكمتها المجتمعات المحلية عبر الأجيال. ويبرز هذا الحضور قيمة منتوج تتجاوز استعمالاته الغذائية إلى مجالات التجميل وبعض الاستخدامات التقليدية والصيدلانية.

لكن أهمية الأركان لا تختزل في الزيت المستخرج منه؛ فالشجرة تشكل جزءاً من نظام فلاحي وبيئي متكامل في جنوب غرب المملكة، حيث تتداخل الأشجار مع الأنشطة الزراعية وتربية الماشية. وقد طورت المجتمعات المحلية أساليب للتعامل مع هذا المحيط والتكيف مع ظروف الجفاف وندرة المياه وضعف خصوبة التربة، بما يساهم في تنويع الموارد والحفاظ على استمرارية الأنشطة المحلية.

وتستمد هذه الشجرة جانباً من قيمتها من الخبرة المتوارثة في استغلالها وتدبير مواردها، وهي معارف بات الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال المقبلة جزءاً من الجهود الرامية إلى صون التنوع البيولوجي واستدامة الإنتاج الفلاحي.
وفي فضاء الفاو، لا يقتصر الحضور المغربي على الأركان ومنتجاته، بل يشمل أيضاً «الرحى»، وهي مطحنة حجرية تقليدية استخدمت في طحن الحبوب وغيرها من المنتجات. وتُعرض هذه الأداة بشكل دائم في متحف وشبكة الأغذية والزراعة التابعين للمنظمة، المعروفين اختصاراً باسم «FAO MuNe»، باعتبارها نموذجاً للأدوات التي اعتمدتها المجتمعات في تحويل المواد الفلاحية قبل انتشار وسائل التصنيع الحديثة.
ويجمع عرض الأركان والرحى بين مورد طبيعي وأداة تقليدية، ليقدم صورة عن الخبرة المغربية في استثمار خيرات الأرض وتحويلها إلى منتجات تلبي الحاجات اليومية.

ويستند الحضور الدولي لشجرة الأركان إلى اعترافات تعكس قيمتها البيئية والفلاحية؛ ففي دجنبر 2018، صنفت منظمة الأغذية والزراعة النظام الزراعي الحرجي والرعوي المرتبط بها في منطقة آيت صواب–آيت منصور ضمن نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية، المعروفة اختصاراً باسم «GIAHS».
ويبرز هذا الاعتراف نموذجاً محلياً يجمع بين الأشجار والزراعة وتربية الماشية، ويعتمد معارف متوارثة للتكيف مع الجفاف وندرة المياه وصون الموارد الطبيعية. وفي سنة 2021، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 10 ماي يوماً دولياً لشجرة الأركان، بمبادرة مغربية وبدعم من 113 دولة، تقديراً لأبعادها البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
ويمنح حضور الأركان في المنتدى العالمي للأغذية بروما فرصة للتعريف بثروة مغربية تجمع بين القيمة الاقتصادية والخصوصية البيئية والخبرة المحلية. فحماية هذه الشجرة تعني أيضاً الحفاظ على المعارف المرتبطة بها وعلى نظام عيش تشكل عبر قرون، بما يجعلها أكثر من مجرد مصدر للزيت: إنها مورد طبيعي ورافعة للتنمية وذاكرة حية لعلاقة الإنسان المغربي بأرضه.



