تستعد جهة الشرق لدخول مرحلة جديدة من مسارها الاقتصادي، مدفوعة بمشاريع كبرى في الموانئ والطرق والصناعة واللوجستيك، يمكن أن تغير موقعها داخل الخريطة الاستثمارية للمغرب وتفتح أمامها آفاقاً جديدة لجذب الرساميل وإحداث فرص الشغل.
ويتصدر المركب المينائي الناظور غرب المتوسط هذه التحولات، باعتباره مشروعاً استراتيجياً لا تقتصر رهاناته على النشاط المينائي، وإنما تمتد إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول الصناعة والطاقة واللوجستيك والخدمات والتجارة الدولية.
ويمثل الموقع المتوسطي للمشروع نقطة قوة بالنسبة للمستثمرين الباحثين عن قواعد إنتاج وتصدير قريبة من أوروبا ومتصلة في الوقت نفسه بالسوق المغربية والإفريقية، ما يمنح جهة الشرق فرصة لبناء قطب صناعي ولوجستي جديد.
كما يشكل تطوير شبكات الطرق والربط بين الميناء والمناطق الصناعية والمدن والأقاليم عاملاً حاسماً في نجاح هذا التحول، لأن قوة الميناء لا تقاس فقط بطاقته الاستيعابية، وإنما أيضاً بسهولة انتقال السلع والأشخاص وربط مناطق الإنتاج بمنصات التصدير.
وتملك الصناعة فرصة كبيرة للاستفادة من هذه الدينامية، خاصة الصناعات التحويلية والغذائية والميكانيكية ومكونات السيارات والأنشطة المرتبطة بالطاقة والتصدير، بما يسمح بتنويع الاقتصاد الجهوي وتقليص اعتماده على عدد محدود من الأنشطة.
ويمكن للمنظومة الصناعية الجديدة أن تمنح المقاولات الصغيرة والمتوسطة فرصاً للاندماج في سلاسل التوريد والخدمات والصيانة والنقل والمناولة، وهو ما يجعل أثر الاستثمار الكبير أوسع عندما ينجح في خلق شبكة من الأنشطة المحلية حوله.
وفي هذا السياق، يكتسي دور المركز الجهوي للاستثمار لجهة الشرق أهمية متزايدة في مواكبة المستثمرين وتقديم المعلومات حول الفرص الاقتصادية والعقار والتمويل ودراسات السوق وتسهيل المسار الإداري للمشاريع.
كما يمكن للاستثمارات الجديدة أن تعزز التكامل بين أقاليم الجهة، بحيث تستفيد الناظور من النشاط المينائي واللوجستي، وبركان من قوتها الفلاحية والصناعات الغذائية، ووجدة من الخدمات والتعليم والأنشطة الاقتصادية، فيما تستطيع باقي الأقاليم تطوير مشاريع مرتبطة بمؤهلاتها المحلية.
ويظل التشغيل في قلب الرهان، لأن نجاح المشاريع الكبرى لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة، وإنما بعدد فرص العمل المستدامة التي تحدثها وقدرتها على استيعاب الشباب والكفاءات المحلية.
وهنا تبرز أهمية التكوين المهني والجامعي المرتبط بحاجيات الصناعات الجديدة، حتى تجد الشركات المستثمرة الكفاءات المطلوبة داخل الجهة ويستفيد الشباب المحلي مباشرة من التحول الاقتصادي.
كما يمكن لمغاربة العالم المنحدرين من جهة الشرق أن يشكلوا رافعة إضافية للاستثمار، سواء بإحداث مشاريع مباشرة أو الدخول في شراكات مع المقاولات المحلية أو المساهمة بخبراتهم وشبكات علاقاتهم في أوروبا.
والتحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة سيكون ضمان ألا تظل الاستثمارات الكبرى جزرًا اقتصادية معزولة، بل تتحول إلى محركات للتنمية تمتد آثارها إلى مختلف أقاليم الجهة والمقاولات المحلية وسوق الشغل.
جهة الشرق تقف بذلك أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء موقعها الاقتصادي، مستفيدة من البحر والميناء والصناعة والفلاحة والسياحة ورأس المال البشري. وإذا نجحت في تحقيق التكامل بين هذه العناصر، فقد تتحول خلال السنوات المقبلة إلى قطب متوسطي جديد للاستثمار والإنتاج والتصدير، وإحدى أبرز بوابات المغرب الاقتصادية نحو العالم.



