في قلب مدينة الدار البيضاء، وبين جدران فضاءات ظلت لعقود شاهدة على ذاكرة المقاومة الوطنية، يطفو اليوم ملف ثقيل يطرح أكثر من علامة استفهام حول مصير عدد من المقاهي التي كان يستغلها مقاومون قدموا حياتهم وشبابهم دفاعًا عن الوطن والثوابت المقدسة. هؤلاء الرجال، الذين حملوا روح الوطنية في زمن الاستعمار، وجد بعضهم أنفسهم بعد سنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام، بينما تحولت محلات كانت تمثل مورد رزقهم الوحيد إلى موضوع شد وجذب لا يخلو من علامات النفوذ والتمييز.
فالحديث اليوم داخل الأوساط البيضاوية يدور حول الطريقة التي تم بها تفويت بعض المقاهي “حسب الطلب” لفائدة مستثمرين أو مستغلين جدد، في وقت لا تزال فيه مقاهٍ أخرى تعيش حالة من النسيان والتجاهل، رغم أن مستغليها السابقين كانوا من قدماء المقاومين أو من ذوي الحقوق المرتبطة بتاريخ الكفاح الوطني.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عدداً من هذه المقاهي كانت موضوع بروتوكول واتفاقات سابقة جمعت بين جماعة الدار البيضاء وعمالة أنفا، من أجل تسوية وضعيتها القانونية والإدارية، غير أن التنفيذ ـ بحسب عدد من المتتبعين ـ لم يتم بمنطق المساواة، بل بمنطق انتقائي يثير الكثير من الجدل.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه هو أن المقاهي التي تم تسليمها أو تسوية وضعيتها تتواجد داخل فضاء ملعب فيلودروم التاريخي بالدار البيضاء، في حين أن مقاهي أخرى بفضاء الجامعة العربية، والتي تحمل بدورها رمزية اجتماعية وتاريخية، ما تزال معلقة بين الوعود والانتظار، وكأنها خارج حسابات المسؤولين.
الأكثر صدمة، حسب ما يتم تداوله من طرف المعنيين بالملف، أن الجماعة عقدت اجتماعات مع بعض مسيري هذه المقاهي، وطالبتهم بأداء ما يقارب ثمانين ألف درهم شهريًا، وهو رقم يعتبره كثيرون مبالغًا فيه ولا يراعي لا الوضع الاجتماعي للمستغلين ولا الخلفية التاريخية المرتبطة بهذه الفضاءات. فكيف يعقل أن يُطلب من أشخاص أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن أن يتحولوا فجأة إلى مجرد أرقام داخل دفاتر المداخيل؟
القضية اليوم لم تعد مجرد نزاع حول مقاهٍ أو عقود استغلال، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أخلاقي وسياسي حول كيفية تعامل المؤسسات مع ذاكرة المقاومة المغربية. فالدولة التي تحفظ تاريخ رجالها لا يمكن أن تسمح بأن يشعر مناضلو الأمس أو أبناؤهم بالحيف أو الإقصاء، خاصة في مدينة بحجم الدار البيضاء، التي كانت دومًا عاصمة للنضال الوطني والحركة الوطنية.
إن الرأي العام ينتظر توضيحات صريحة من الجهات المعنية حول المعايير التي تم اعتمادها في عملية التفويت والتسوية، وحول أسباب استمرار بعض الملفات في الرفوف رغم مرور سنوات. كما أن مطلب الشفافية والمساواة أصبح اليوم ضرورة ملحة، لأن الأمر يتعلق بملف يحمل بعدًا إنسانيًا وتاريخيًا قبل أن يكون ملفًا تجاريًا أو عقاريًا.
في النهاية، تبقى الحقيقة المؤلمة أن بعض المقاومين الذين حلموا بوطن يحفظ الكرامة والعدالة، يجدون أنفسهم أو أبناءهم اليوم أمام واقع مختلف، حيث النفوذ قد يسبق أحيانًا منطق الوفاء للتاريخ.



