لا يتوقف ضمان الحق في التعليم عند توفير المقاعد الدراسية داخل المؤسسات التعليمية، بل يبدأ أيضاً بتمكين التلميذات والتلاميذ من الوصول إليها في ظروف آمنة ومنتظمة، خصوصاً بالمناطق القروية التي تفصل فيها المسافات بين التجمعات السكنية والمدارس.
من هذا المنطلق، عاد تدبير النقل المدرسي إلى واجهة النقاش، في ظل احتجاجات ساكنة عدد من المناطق على الاختلالات التي يعرفها هذا المرفق، ومطالب بإعادة تنظيمه بما يضمن استمراريته وجودة خدماته.
وترى الجامعة الوطنية للتعليم أن الصعوبات المرتبطة بالنقل المدرسي لم تعد مجرد إشكالات تدبيرية معزولة، بالنظر إلى انعكاساتها على التلاميذ وأسرهم، وما تطرحه من أسئلة حول تكافؤ فرص الولوج إلى المدرسة.
وسجلت النقابة، عبر مكتبها الوطني وعدد من أقاليمها وفروعها، تصاعد احتجاجات في مناطق قروية بسبب الاختلالات التي تشوب هذا المرفق الاجتماعي.
وتكتسي خدمات النقل المدرسي أهمية خاصة في الوسط القروي، حيث يمكن أن يشكل بُعد المؤسسات التعليمية عن المجمعات السكنية عائقاً أمام المواظبة على الدراسة.
فكلما تعذر على التلميذ الوصول إلى مدرسته بانتظام، ازدادت الصعوبات التي تواجهه في متابعة تعليمه، وهو ما يجعل توفير نقل مدرسي موثوق ومنظم أحد المداخل العملية للحد من الهدر المدرسي، ولا سيما في المناطق التي تعاني خصاصاً في الخدمات والبنيات الأساسية.
كما يساهم تطوير هذا المرفق في تقريب المدرسة من محيطها السكاني، دون أن يعني ذلك بالضرورة بناء مؤسسة تعليمية في كل تجمع سكني.
ويتيح النقل المنظم توسيع فرص الاستفادة من المؤسسات القائمة، شريطة توفير شروط السلامة والجودة والاستمرارية، ومراعاة حاجيات التلاميذ والتلميذات الذين يواجهون صعوبات أكبر في التنقل.
غير أن الجامعة الوطنية للتعليم تعتبر أن النموذج المعتمد حالياً يواجه اختلالات في الحكامة والتدبير والمراقبة، لا تنعكس آثارها على التلاميذ وحدهم، بل تمتد إلى الأسر التي تتحمل أعباء مالية إضافية، فضلاً عن السائقين الذين يعيشون، وفق النقابة، أوضاعاً مهنية واجتماعية صعبة.
وفي مواجهة هذه الإشكالات، دعت الجامعة الحكومة ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى تحمل مسؤولياتهما في ضمان الحق في النقل المدرسي، مطالبة بإحداث وكالة وطنية للنقل المدرسي مملوكة للدولة، تتولى تدبير أسطول وطني وفق معايير واضحة للإنصاف والسلامة والجودة، وتخضع لقواعد الشفافية والمراقبة والمحاسبة.
وربطت النقابة إصلاح هذا القطاع بضرورة تقوية مراقبة دفاتر التحملات وتتبع تنفيذها، ووضع معايير شفافة للاستفادة من الدعم العمومي، مع تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة، حتى لا تتحول الاختلالات التدبيرية إلى عائق إضافي أمام تمدرس الأطفال في المناطق القروية والهامشية.
وتدعو الجامعة، في هذا السياق، إلى إجراءات عاجلة تتجاوز الحلول الظرفية نحو إرساء نموذج مؤسساتي عمومي يضمن مجانية النقل المدرسي وجودة خدماته، باعتباره خدمة عمومية أساسية ومسؤولية تقع على عاتق الدولة.
ويظل الرهان، في نهاية المطاف، أكبر من مجرد نقل التلاميذ من مساكنهم إلى مدارسهم؛ إنه يتعلق بتقليص أثر البعد الجغرافي على المسار الدراسي، وتخفيف الأعباء عن الأسر، وتوفير شروط أكثر إنصافاً للاستمرار في التعليم.
فمن دون نقل مدرسي منتظم وآمن، قد تبقى المدرسة متاحة من الناحية الإدارية، لكنها بعيدة المنال بالنسبة إلى بعض التلاميذ، خصوصاً في العالم القروي.



