حين ترتفع أسعار المحروقات، لا تتوقف آثارها عند محطات الوقود. الزيادة تتحرك سريعاً نحو سيارات الأجرة والحافلات والشاحنات ونقل البضائع، ثم تجد طريقها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الأسواق والأسعار ومصاريف الأسر. ومن هذا المنطلق جاء الدعم الاستثنائي الموجه إلى مهنيي النقل باعتباره آلية لتخفيف الضغط عن قطاع يرتبط يومياً بحركة الاقتصاد وحياة المواطنين. غير أن استمرار هذا الدعم يعيد إلى الواجهة سؤالاً مشروعاً وبسيطاً: إذا كانت الدولة تتحمل جزءاً من كلفة النقل، فكيف يمكن أن يصل أثر ذلك بصورة أوضح إلى المواطن؟
السؤال لا ينطلق من التشكيك في أهمية دعم المهنيين، فالسائق بدوره يواجه مصاريف ثقيلة تبدأ بالمحروقات ولا تنتهي عند التأمين والصيانة وقطع الغيار والإطارات والضرائب وتجديد المركبة. كما أن عدداً كبيراً من العاملين في القطاع يعيشون من مداخيل يومية مرتبطة مباشرة بعدد الرحلات والركاب، وأي ارتفاع مفاجئ في التكاليف يمكن أن يضغط على توازنهم المالي.
لذلك فإن حماية قطاع النقل من الصدمات أمر مفهوم، بل ضروري عندما تكون الظروف الاقتصادية استثنائية. فالقطاع ليس نشاطاً معزولاً يمكن أن يتوقف دون تأثير، وإنما شريان تتحرك عبره اليد العاملة والسلع والمواد الغذائية والخدمات بين المدن والقرى.
لكن الدعم العمومي يكتسب معناه الكامل عندما تكون له نتيجة يمكن للمجتمع قياسها.
المواطن لا يتعامل مع مفهوم الدعم باعتباره رقماً في بلاغ أو مبلغاً يحول إلى حساب مهني، بل ينظر إليه من خلال حياته اليومية. يريد أن يعرف هل ساهمت هذه الأموال في الحفاظ على أسعار التنقل؟ هل حالت دون زيادات أكبر؟ هل انعكست على جودة الخدمة؟ وهل ساعدت على استقرار أسعار نقل البضائع وبالتالي خففت الضغط على أسعار بعض المنتجات؟
وهنا تكمن صعوبة تقييم الدعم.
فقد يكون من غير الدقيق القول إن عدم انخفاض أسعار النقل يعني بالضرورة أن الدعم لم يؤد دوره. من الممكن أن تكون وظيفته الأساسية هي منع الأسعار من الارتفاع أكثر في فترة كانت فيها تكاليف التشغيل تتزايد. وهذه نتيجة اقتصادية حقيقية، لكنها تحتاج إلى أرقام واضحة حتى يستطيع المواطن فهمها.
إذا كانت رحلة معينة كان يمكن أن ترتفع من خمسة دراهم إلى سبعة، وبفضل الدعم بقيت عند خمسة، فإن المواطن استفاد بالفعل، حتى وإن لم ير انخفاضاً في السعر. لكن إثبات ذلك يحتاج إلى شفافية تسمح بمعرفة تطور تكاليف المهنيين وحجم الدعم وتأثيره الفعلي.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من منطق إعلان الدعم إلى منطق قياس أثره.
كم بلغت الكلفة الإجمالية التي تحملتها الدولة؟ ما الفئات التي استفادت؟ وما حجم الدعم حسب نوع المركبة والنشاط؟ وكيف تطورت أسعار المحروقات خلال الفترة نفسها؟ وما الذي حدث لتعريفات النقل؟ وهل اختلف الأثر بين سيارات الأجرة والحافلات ونقل البضائع والنقل بين المدن؟
نشر هذه المؤشرات بصورة مبسطة سيجعل النقاش أكثر عقلانية، ويمنع تحول الملف إلى مواجهة بين المواطن والمهني، لأن الطرفين في الحقيقة يعانيان من المشكلة نفسها ولكن من موقعين مختلفين.
السائق يريد أن يحافظ على دخله بعد أداء مصاريف الوقود والصيانة، والراكب يريد الوصول إلى عمله دون أن يستهلك النقل جزءاً متزايداً من راتبه.
المطلوب إذن ليس أن يدفع أحدهما ثمن حماية الآخر، بل إيجاد نموذج يجعل الدعم أكثر دقة وفعالية.
ومن الحلول الممكنة أن يصبح الدعم مستقبلاً أكثر ارتباطاً بالنشاط الحقيقي للمركبة وبالمسافات المقطوعة وطبيعة الخدمة، مع الاستفادة من الرقمنة لتقليص أي اختلال محتمل في الاستهداف. فسيارة تعمل يومياً في نقل المواطنين ليست في الوضع نفسه لمركبة لا تمارس النشاط بالوتيرة ذاتها، كما أن حافلة للنقل الحضري تختلف من حيث الاستهلاك والدور الاجتماعي عن شاحنة لنقل البضائع.
كلما كان الدعم موجهاً بدقة، ارتفعت فعاليته وانخفضت كلفته.
ويمكن التفكير أيضاً في ربط جزء من برامج المساندة المستقبلية بتحسين جودة الخدمة. فإذا كانت الدولة تساعد القطاع بأموال عمومية، فمن الطبيعي أن تكون هناك بالمقابل دينامية لتحديث المركبات واحترام شروط السلامة والنظافة والتعريفة وجودة التعامل مع الركاب.
بهذه الطريقة يتحول الدعم من تدخل ظرفي لمواجهة المحروقات إلى فرصة لإصلاح القطاع.
كما أن ملف سيارات الأجرة يحتاج إلى معالجة خاصة، لأن المواطن يتعامل معها يومياً ويشعر مباشرة بأي تغير في أسعارها أو جودتها. ويمكن للرقمنة أن تلعب دوراً مهماً عبر أنظمة واضحة للتعرفة، ووسائل أداء حديثة، وتطبيقات تساعد على معرفة السعر والمسار، بما يحمي السائق والراكب في الوقت نفسه.
أما النقل العمومي بالحافلات، فإن الحل طويل المدى لا يمكن أن يعتمد على دعم الوقود وحده. المدن المغربية تتوسع بسرعة، وعدد التنقلات اليومية يرتفع، وبالتالي فإن الاستثمار في حافلات حديثة وشبكات فعالة ووسائل نقل جماعي ذات قدرة كبيرة هو أحد أهم الأدوات لحماية القدرة الشرائية.
فأفضل طريقة لتخفيف كلفة التنقل ليست دائماً دعم كل رحلة، بل توفير بديل جماعي جيد يجعل المواطن أقل اعتماداً على الوسائل الأكثر تكلفة.
وفي نقل البضائع تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن تكلفة الشاحنة لا تنتهي عند صاحبها. حين يرتفع ثمن نقل صندوق من الخضر أو الفواكه أو مواد البناء أو السلع الصناعية، تنتقل الزيادة تدريجياً إلى السعر النهائي.
لذلك فإن أي سياسة ناجحة لتخفيض تكاليف اللوجستيك يمكن أن تكون لها آثار تتجاوز قطاع النقل إلى القدرة الشرائية والتنافسية الاقتصادية للمغرب ككل.
وهنا تظهر الحاجة إلى حلول هيكلية موازية للدعم: تحسين اللوجستيك، تنظيم مسارات التوزيع، تحديث الأسطول، تشجيع المركبات الأقل استهلاكاً للطاقة، تطوير النقل السككي للبضائع حيث يكون ذلك ممكناً، وتقليل الرحلات الفارغة التي تقطع فيها الشاحنات مئات الكيلومترات دون حمولة.
فكل لتر وقود يتم توفيره عبر الكفاءة أفضل اقتصادياً من لتر تتم تغطية جزء من ثمنه بالدعم إلى أجل غير محدد.
كما أن التحول نحو مركبات أكثر كفاءة أو طاقات بديلة ينبغي أن يتم بصورة تدريجية وواقعية. المهني الصغير لا يستطيع تغيير سيارته أو شاحنته بقرار سريع، ولذلك يحتاج إلى تمويل مناسب وتحفيزات تسمح له بالتجديد دون أن يتحول الاستثمار الجديد إلى عبء مالي أكبر من فاتورة الوقود نفسها.
الدعم الاستثنائي كان استجابة لظرف استثنائي، لكن استمرار الحاجة إليه يفرض التفكير في ما بعد الدعم.
فالسياسات الناجحة ليست تلك التي تستطيع دفع المساعدة إلى ما لا نهاية، وإنما التي تستعمل فترة المساندة لبناء قطاع يصبح أقل تعرضاً للصدمات مستقبلاً.
المغرب يحتاج إلى نقل مربح للمهني، مريح وآمن للمواطن، وقادر على خدمة الاقتصاد بكلفة تنافسية. وهذه الأهداف ليست متناقضة إذا تم التعامل معها داخل رؤية واحدة.
لا ينبغي أن يصبح السائق خصماً للراكب، ولا أن يشعر الراكب بأن الدعم الذي يمول من المال العام لا علاقة له بفاتورته اليومية.
الحل يبدأ بالشفافية: معرفة أين تذهب الأموال، وما الذي حققته، وما الذي كان سيحدث للأسعار في غيابها. ثم يأتي الاستهداف، وربط المساندة بالنشاط الحقيقي، وتحسين الجودة، وتسريع تحديث القطاع.
فالمال العمومي لا يقاس فقط بحجم ما يتم إنفاقه، وإنما بحجم الأثر الذي يتركه.
وإذا كان دعم النقل ضرورياً لحماية المهني من ارتفاع التكاليف، فإن النجاح الأكبر سيكون حين يشعر المواطن أيضاً بأن هذا التدخل ساهم في حماية قدرته على التنقل والعيش.
عندها فقط لن يكون الدعم مجرد مبلغ يصل إلى مركبة، بل سياسة تصل فائدتها إلى آخر راكب يجلس داخلها.
حجم الخط
+
-
4 دقائق للقراءة



