حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

مليارات أوراش البيضاء.. من يفوز بالصفقات؟

تعيش الدار البيضاء على وقع دينامية متواصلة من الأوراش العمومية، تشمل البنيات التحتية والماء والكهرباء والنقل والتجهيزات والخدمات، في وقت تكشف فيه طلبات العروض المفتوحة عن حجم مالي مهم يجعل الصفقات العمومية جزءا أساسيا من الدورة الاقتصادية للعاصمة الاقتصادية ومحيطها.
وتشير المعطيات المتاحة إلى وجود نحو 175 طلب عروض عموميا مفتوحا بالدار البيضاء إلى حدود 24 غشت، فيما تناهز القيمة التقديرية المجمعة لـ135 صفقة منها 2.2 مليار درهم. وهي أرقام تستحق القراءة من زاوية تتجاوز قيمة الأشغال إلى أثرها على الاقتصاد المحلي والمقاولات وفرص الشغل.
فالصفقة العمومية ليست مجرد عقد بين إدارة ومقاولة، وإنما أموال تتحول إلى أشغال وتجهيزات وأجور ومشتريات وخدمات، ويمكن بالتالي أن تحرك سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية عندما تصل إلى مرحلة التنفيذ.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: إلى أي مدى تستطيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة الاستفادة من هذه الدينامية إلى جانب المجموعات الكبرى؟
طرح السؤال لا يعني التشكيك في نزاهة الصفقات أو الجهات التي تشرف عليها، ولا يفترض وجود احتكار أو محاباة في إسنادها، ما لم تتوفر معطيات موثقة تثبت ذلك. لكنه نقاش اقتصادي مشروع يرتبط بمدى قدرة منظومة الطلب العمومي على تشجيع المنافسة وإتاحة الفرص لأكبر عدد ممكن من المقاولات المؤهلة وفق القواعد والمساطر المعمول بها.
فالمقاولات الكبرى تمتلك بطبيعتها إمكانات مالية وتقنية وبشرية تسمح لها بالمنافسة على المشاريع الضخمة، بينما قد تجد المقاولة الصغيرة نفسها أمام شروط تقنية أو ضمانات مالية أو أحجام مشاريع تفوق قدراتها، رغم امتلاكها الخبرة اللازمة لتنفيذ أجزاء منها.
وهنا تظهر أهمية تقسيم بعض المشاريع إلى حصص عندما تسمح طبيعتها بذلك، وتشجيع المناولة القانونية والشفافة، وتسريع آجال الأداء، لأن استفادة النسيج المقاولاتي المحلي من الاستثمار العمومي يمكن أن تضاعف أثر كل درهم تنفقه الدولة أو الجماعات أو المؤسسات العمومية.
كما أن المنافسة الواسعة تخدم صاحب المشروع نفسه، لأنها توسع قاعدة المتنافسين وتدفع نحو تقديم عروض أكثر جودة وتنافسية، مع بقاء الكفاءة التقنية واحترام الالتزامات والآجال والمعايير محددات أساسية في اختيار المقاولات.
لكن الرقم المعلن عن قيمة طلبات العروض لا يعني أن هذه الأموال صرفت بالفعل، كما أن نشر طلب عروض لا يعني بالضرورة إسناد الصفقة بالقيمة التقديرية نفسها. فهناك فرق مهني ضروري بين الاعتمادات أو التقديرات المعلنة وبين المبالغ النهائية للصفقات بعد استكمال المساطر.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: من يفوز بالصفقات؟ بل أيضا: ماذا تحقق هذه الصفقات للمدينة بعد تنفيذها؟
المواطن لا يقيس نجاح الاستثمار العمومي بعدد طلبات العروض المنشورة، وإنما بجودة الطريق التي أنجزت، واستمرارية الماء والكهرباء، وتحسن النقل والمرافق، واحترام آجال الأشغال، ثم قدرة المشاريع على خدمة المدينة لسنوات دون الحاجة إلى إصلاحات متكررة.
والدار البيضاء، بما تعرفه من استثمارات ضخمة وتحولات عمرانية متسارعة، تحتاج إلى أن تتحول هذه المليارات إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة، مع منافسة مفتوحة ومراقبة للجودة وربط الإنفاق العمومي بالنتائج.
فالسؤال حول المستفيد من الصفقات مشروع، لكن الأهم منه يبقى: هل تحقق كل صفقة أفضل قيمة ممكنة للمال العام، وهل يصل أثر هذه الاستثمارات إلى المقاولة والوظيفة والمواطن والمدينة في آن واحد؟